الجمعة، سبتمبر ٢٣، ٢٠٠٥

الأقباط والإخوان بين الشريعة والمواطنة


الأقباط والإخوان بين الشريعة والمواطنة
كمال زاخر موسى


أما وقد اخترنا الديموقراطية منهاجاً لإدارة الوطن فإن تعبيري الأغلبية والأقلية لا بد أن يبرحا مربع العقيدة الدينية ليستقرا في رحاب التوجه السياسي بحسب تجربة الدول التي سبقتنا في هذا المضمار والتي حصدت نتيجة لذلك تقدماً واستقراراً لا تخطئهما عين، ولعلنا نجد ـ بعيداً عن أمريكا وأوروبا ـ في تجربة جنوب شرق آسيا إضافة إلى اليابان خير دليل على ذلك والتي نجحت ـ عبر تأكيد مبدأ المواطنة ـ في استثمار كل طاقاتها البشرية بغير تمييز أو فرز في تحقيق تنمية حقيقية وضعتها في مصاف الدول الكبرى اقتصادياً بل وتجاوزتها إلى الدرجة التي دفعت أمريكا لبحث فرض قيود للحد من غزو السلع الآسيوية لأسواقها.
لذلك فالبقاء سياسياً في مربع المعتقد الديني وما ينتجه من رؤى ومواقف استعلائية تنعكس بالضرورة على مواثيقنا الدستورية والقانونية فمن شأنه أن يجعلنا ندور في حلقة مفرغة تستنزف جهدنا وتعيد إنتاج أجواء العصور الوسطى التي دمرت أوروبا والغرب، لولا صحوتها المدنية والتي أعادت للدين دوره الروحي والتنويري في ضبط العلاقة بين المرء وربه لتستقيم تبعاً لذلك العلاقة بين البشر وبعضهم، وهى رؤى تؤكد أننا لا نقرأ دروس التاريخ ولا نبدأ من حيث انتهى الآخرون بل نستطيب الوقوع في ذات الأخطاء، في زمن مختلف لا يسمح بتكرار التجربة، غير عابئين بنتائج ثورة الإتصالات وتكاتف العالم في مواجهة دعوات الطائفية والتمايز الديني بكل أشكاله، بغير أن يفسر المتربصون هذا بأنه استقواء بالغرب في ظل نظرية المؤامرة.
ويبدو أن الطبع يغلب التطبع بحسب المأثور الشعبي العبقري، فها نحن نتلقى ـ في غير اندهاش ـ التصريحات المنسوبة للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بأن المساس بالمادة الثانية من الدستور هو تجاوز لخطوط حمراء لا يجب الإقتراب منها، بل ينتقل مسرعاً ليضيف " لن يكون لنا رأى سوى اللجوء للشعب لحماية معتقداته ودينه " ولم استطع أن أفهم كيف يكون الحوار حول تعديل مادة دستورية مهدداً لمعتقد شعب ودينه، ليصبح السؤال الذي نطالبه بالإجابة عليه هل حماية المعتقد والدين قائمة على نص في الدستور ؟ لكنها الإثارة والتلاعب بالعاطفة الدينية عند بسطاء المصريين، وان كنت التمس له العذر بعد أن كشفت الإنتخابات الرئاسية القريبة الحجم الحقيقي لجماعته، التي ملأت الدنيا ضجيجاً بغير طحن، ويبدو أنه كان أقل حدة من رموز جماعة الجهاد الذين صرحوا في ذات السياق(بأن الإقتراب من هذا الموضوع سيفجر حرباً أهلية داخل مصر) مجرد الإقتراب(!!) وأضاف أخر " أن هذه المطالب لن تكون إلا على جثث الجميع ويستطرد قائلاً: ومعنى ذلك أن أصحاب هذا الرأي يطالبون بحمامات دم في مصر " يا ساتر مجرد لفحة ديمقراطية من باب موارب تثير كل هذا الهياج والتلويح بالعنف والدم !! لكن رب ضارة نافعة فهذه فرصة متاحةالواحدة.ؤيد قيام حزب ديني ليراجع قناعاته ويتصور ماذا لو قام مثل هذا الحزب ووصل من خلال آليات الديمقراطية لسدة الحكم ماذا ينتظر الوطن على ايديهم ؟ طبعاً هم يؤمنون بديمقراطية المرة الواحدة.
على أن هذا لا يمنعنا من التمسك بحق الحوار لعلنا نجد رداً بالقلم لا بالعنف وبالرأي لا بسيارة مفخخة، وقد نكون بحاجة إلى التوقف عند موقفهم من حرية العقيدة والاعتقاد فيما يحسبه البعض تسامحاً، باللجوء إلى طرح بعض من نصوص دينية بطريقة الإنتقاء وبكيفية تجعل من يناقش هذا الطرح وكأنه يتعرض للنصوص بالرفض والتجريح وهو ما يوقع المرء في مأزق مفخخ، وهو واحد من تداعيات تسييس الدين وتديين السياسة، وقراءة العلاقات المجتمعية والمراكز القانونية للأفراد من منظور ديني يرتب لهم الحقوق والواجبات، واكتفى هنا بمقولتين يتم ترويجهما في هذا الصدد، يترددان بإصرار في أدبيات تيارات الإسلام السياسي:
من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ وهى قاعدة تعد عنواناً للتسامح والحرية، لكنها توظف عند هذه التيارات بأن من يختلف معهم هو من الكافرين، ويضعون البذرة الأولى لفكر التمييز والإستعلاء، ورغم أنها قاعدة دينية نصية لا يملك أحد التعرض لها أو التعريض بها، لكنها تبقى كذلك طالما بقيت في إطار الدين ولكن عندما تتحول إلى نص يوظف في الحكم على العلاقات داخل مجتمع متعدد الأديان تتحول إلى موقف سياسي يحتمل التداول والحوار والتحليل السياسي والمجتمعي، ويبقى السؤال: هل يقبل داعمو هذه القاعدة أن يصفهم أصحاب الديانات الأخرى وشركائهم في الوطن بأنهم من الكافرين !! السنا بهذا نفتح الباب على مصراعيه لصراع مجتمعي مدمر لا حد لسقفه ؟! .
لهم ما لنا وعليهم ما علينا؛ وهذه مقولة أخرى تتردد في ذات السياق ولنا عليها بعض الملاحظات بعيداً عن مصدرها الديني الذي كان يهدف في حينه دعم المساواة إنما في أبعادها السياسية والمجتمعية في مناخ يكرسها للفرز والإستعلاء في مخالفة صارخة لمفهومها الأول:
فهي تقر ابتداء بوجود " لنا ولهم، وعلينا وعليهم " بمعنى أنها تؤكد " نحن وهم " وهى خطوة هامة في تأكيد الفرز والثنائية في وطن واحد من المفترض أن تقوم العلاقات فيه على " المساواة «.
إنها تكشف عن طرف يمنح هو الذي قرر أن يكون للآخر ما للمانح وعليه ما على المانح، وهو أمر مرتبط بإرادة المانح الذي يملك أن يعيد النظر في منحته هذه وفقاً لقاعدة " أن من له حق المنح له حق المنع «.
وهى أيضاً تحمل نبرة المحتل والذي يقرر حدود حقوق وواجبات من وقع عليهم الإحتلال، وهو ما لا يستقيم في توصيف شعب وطن مستقل متعدد الأديان والعقائد، وتقوم منظومة الواجبات والحقوق فيه على أساس الإنتماء للوطن.
والمناخ الثقافي الذي يروج له في الشارع المصري يموج بالعديد من النماذج المماثلة لهذين النموذجين بل ويذهب إلى ما هو أقصى وابعد في اتجاه استبعاد المختلف عن عقيدة الأغلبية المسلمة، وعدم الإعتراف به كمواطن كامل المواطنة وفقاً لفقه الإسلام السياسي، وهو الأمر الذي يفسر موجات الإرهاب المتوالية التي ما كانت لتوجد أو تستشري بغير دعم فكرى عات يربط بين صحة الإيمان والجهاد ضد الكفرة، ويجد هذا التوجه تجاوباً من العامة بل وتسلل إلى قطاعات عديدة من النخبة وإن قالوا بغير ذلك.
دعونا نعود للدستور ـ وهو قانون وضعي يحتمل الحوار حوله ومراجعته وفق متغيرات العصر ـ ففي نصين قاطعين يؤكد الدستور المصري الصادر في 11 سبتمر 1971 على مبدأ المواطنة ومبدأ حرية العقيدة:
مادة ( 40 ) المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات ا

لعامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
مادة ( 46 ) تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
وهو أمر يحمى المواطن لكونه مواطناً، ويؤكد أن الحقوق والواجبات مردها مبدأ " المواطنة «، وفى تقديم الدستور يقول الأستاذ عصمت الهوارى المحامى ـ في تقديمه لنصوص الدستور والقوانين المكملة له والتي نشرتها مجلة المحاماة في ملحق العددين الثالث والرابع، السنة التاسعة والستون 1989 ـ " وما من ريب أن الدستور ليس شعارات معسولة، وليست العبرة بنصوص مكتوبة تحمل اسم الدستور، وإنما العبرة كل العبرة بالطهارة الدستورية عند تطبيق ما تضمنه الدستور من نصوص.. تلك الطهارة التي هى مطلب أساسي في بلاد يتنازع فيها الخير مع الشر، ويختلط فيها الحق مع الباطل «،
فضلاً عن هذا فأن ذات الدستور ينص في مادة أسبق على تعبير غامض رغم وضوحه التام وأتصور أن واقع الحال وبعد التطور الذي لحق بمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان يفرض علينا مراجعته، بعد أن نتجاوز الضجيج الذي ولدته المطالبة بمراجعة هذا النص (المادة الثانية ) والتي تنص على:الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
وقد استعصى على ذهني تفسير منطوق " دين الدولة " فلا يكفى التذرع بأنه جاءنا من دساتير سابقة، وأنه نابع من إرادة الأغلبية والتي بدورها غرر بها عبر وسائل التأثير الرسمية والموازية فاختلط عندها الديني بالسياسي والزمني بالأبدي، لكن العبرة بالمدلول والنتائج والآثار المترتبة عليه والمتولدة منه خاصة عندما يحتويه الدستور الذي هو قانون القوانين، فالدولة في جانب منها مجموعة المؤسسات الفاعلة في نطاق جغرافي محدد تتوزع بين الحكام والمحكومين فهل يمكن صبغ هذه المؤسسات بدين معين، وهل من السائغ في حالتنا هذه أن نقول مثلاً وزارة الخارجية الإسلامية أو غيرها من الوزارات، وبالمثل عن المؤسسات التشريعية أو القضائية!! .
وإذا انصرف التفسير إلى أن الدولة في جانب أخر هي جموع المواطنين المنتسبين إلى ذات الرقعة الجغرافية، فهل يجوز إضفاء الصفة الإسلامية على كل الوطن بما فيه من ديانات أخرى، وإذا صح هذا فيكون المتدينين بغير الإسلام على غير دين الدولة الرسمي فلا يحق لهم حقوق عليها ولا يلتزمون بواجبات تجاهها، ويصبحون بهذا جالية تستضيفها الدولة، أو نشئ من التفاؤل " مواطنون من الدرجة الثانية " ولعل الرئيس الراحل أنور السادات لم يكن بعيداً عن هذا المعنى عندما أعلن في خطابه الأخير قبيل اغتياله « أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة يقطنها أقباط " !! ، وفى ملاحظة ثالثة إذا كان للدولة دين رسمي فهل الأديان الأخرى تعد أديانا عرفية!!
هل أنا بحاجة لتأكيد أنني لا أتناول الإسلام كدين له إحترامه وقدسيته ويؤمن به أكثر من 85% من المصريين، أعود لأقرر أنني أقرأ واقعنا من زاوية المواطنة التي تتجاوز الإنتماءات الدينية والتي لا تعنى بالبحث في مقارنة الأديان، وإنما تسعى لوطن أكثر أمنا ومواطن يحق له أن يمارس حريته وكرامته ومستقبله، ولا شك أن " المواطنة " الفكرة والممارسة واقعة في مأزق مزدوج بين الفكر الشعبي والمجتمعي السائد وبين نصوص دستورية تحتاج إلى مراجعة عقلية بعيدة عن إثارة النوازع العاطفية ونظرية المؤامرة.
ولعل السؤال لماذا يقاوم الإخوان الدعوة لقيام المجتمع المدني ويثيرون حوله الزوابع ويختلقون ضده ما ليس فيه، إنهم المستفيدون من بقاء الحال على ما هو عليه، ومن ثم يسعون ومعهم التيارات المتطرفة إلى تشديد قبضتهم على مصائر وحياة البشر، ويتبنون الكراهية وسيلة لشق المجتمع، وفى تجاربهم غير القليلة ـ في أكثر من دولة ـ التي قدر لهم فيها أن تصير مقاليد الحكم بكاملها في أيديهم جروا مجتمعاتهم إلى مهاوى التخلف والحروب، يساندهم من وجدوا في الفساد ملجأ ومرتعاً ومن عجب أن تجد تضامناً بين الفريقين رغم تضاد البرامج المعلنة والأمثلة كثيرة، والمثل القريب ما أعلنه ونفذه أبو مصعب الزرقاوى في العراق من شنه حملة تصفية وابادة وحرب على المسلمين الشيعة ليشوه سعى الشعب العراقي للحرية والتحرر ويجسم كل المخاوف من وصول تياراته إلى السلطة، فإذا كان هذا شأن العلاقة بين تيارين إسلاميين فماذا عن العلاقة مع غير المسلمين ؟! .
ربما لهذا صارت الدعوة ملحة وواجبة على كل منتم لهذا الوطن ـ في مواجهة الساعين لجرنا إلى مجتمع طائفي ـ إلى إقامة المجتمع المدني الذي يعلى من قيمة الإنسان لكونه إنساناً، ويجعل من الوطن المصدر الوحيد للحقوق والمصب للواجبات، ففيه يمارس المرء حقه في اختيار عقيدته وتخف حدة الفرز والتمييز والتجنيب، وتسقط بالتبعية إشكاليات كثيرة افرزها مجتمع الطائفية الذي لا يعرف غير الكراهية منهجاً ووسيلة.
فما الذي يوفره المجتمع المدني لمواطنيه ؟! :
تسقط فيه كل مزاعم التمايز العرقي والديني، وبالتالي تسقط تبعاً لها كل أسباب التوتر والكراهية.
تحفز الهمم باتجاه مواجهة المشاكل الآنية والمستقبلية الحقيقية فيبدأ مشوار تحليلها والسعي لحلها.
الإندماج في عالم متقدم تخلص قبل أكثر من قرن من قيود التعصب العرقي والديني وانطلق إلى آفاق التنمية البشرية والإنسانية، ويرفض التعامل والتعاون مع الأنظمة الإستبدادية والمنغلقة.
إطلاق الطاقات المعطلة والمهمشة بسبب اختلاف الدين أو العقيدة، لتكون أدوات بناء وطن يحق له أن يكون عظيماً.
كسر حاجز الخوف المكبل للإبداع الإنساني فتترسخ معاني الخير والحب والحرية وفق ثوابت العدالة والمساواة.
تترجم على أرض الواقع مبادئ حرية العقيدة والإعتقاد والتي لا مكان لها في المجتمعات الطائفية أو الإستبدادية.
يبقى أنه مشوار طويل وشاق لكنه لا يخرج عن قانون أي مشوار في أنه يبدأ بخطوة، وهى بدورها تحتاج إلى شجاعة المواجهة وتكاتف كل الداعين للمجتمع المدني، شريطة أن يكونوا على استعداد لتحمل التبعات ودفع ثمن التغيير.
على أنه تبقى أيضاً الحاجة ملحة للتأكيد على أننا نتحاور في المساحة السياسية ولا نقرب من المقدس الديني لأنه أسمى من أن نوظفه في أمور تحتمل الإختلاف، فكيف يخضع الثابت للمتغير ؟!.

kamalzakher@maktoob.com