السبت، يوليو ٠٩، ٢٠٠٥

النسر فى حظيرة الفراخ

(هذا المقال يقدم وجهة نظر معينة عن سر شعبية بعض الطغاة)
النسر فى حظيرة الفراخ

اسمحوا لى أن أبدأ حديثى بهاتين القصتين الأولى رمزية والثانية حقيقية
كان هناك مجموعة من الكتاكيت تعيش معا فى حظيرة تلعب معا "واحد اتنين تلاتة كاروليت كاروليتة. حلوة اللعبة دى؟ أنت فار وأنا قطة-----" ثم تأتى ربة المنزل وتداعبهم قائلة"تعا ...تعا.... تعا.....(تعال)" وتلقى لهم الحب على الأرض وتصب لهم الماء لقد كانوا راضين بتلك المعيشة يرقصون ويلعبون وينتظرون الطعام والشراب ولكن الكتكوت ذو الذيل الأخضر كان يرفض تلك الحياة أراد أن ينطلق فترك الحظيرة وذهب يلف العالم وفى كل مكان كان يتعلم ويكتسب خبرة لقد ازداد حجما وعقلا وصار يغنى"ياحلولى ياحلولى ده إيه ده إللى بيحصللى" وفكر أن يمر على الحظيرة ليرى أصدقاءه الكتاكيت فوجدهم وقد أصابتهم الشيخوخة ومازالوا يلعبون ويغنون نفس الأغنية" و—احد. اتن—ين. تلا—تة.-----" ومازالوا ينتظرون ربة المنزل لتداعبهم وتلقى لهم الحب والماء

هذه القصة شاهدتها فى الطفولة فى أحد برامج الأطفال وتذكرتها عندما قرأت قصة أخرى تشبهها

"فقد كان هناك رجل يربى طيورا داجنة مر تحت سفح جبل فوجد نسرا صغيرا مصابا فأخذه وداواه ووضعه فى نفس الحظيرة مع الطيور حتى كبر وقد اعتاد على تلك الحياة يأكل ويشرب مع الطيورالداجنة وحدث أن ذلك المربى زاره خبير فى الطيور فقص له قصة النسر فلم يصدقه إلا بعد أن أراه إياه فدخل إليه وأمسك به وألقاه خارج الحظيرة ولكن النسر سرعان ما دخلها تلقائيا مرة أخرى وكأنه اعتاد على تلك العبودية فتضايق ذلك الخبير وأخذ النسر وخرج به إلى أعلى قمة تل ووجه عينى النسر تجاه قرص الشمس وقال له " أترى هذه الشمس ياصديقى ؟ أترى هذا الفضاء؟ إنه مكانك هيا انطلق ولا ترجع ثانية " لقد انطلق النسر عندما وجد شمس الحرية و غاب عن الأنظار إلى الأبد.

لعلى من تلك القصتين يمكننى تفسير أسئلة تحيرنى
*.ما سر قبول الألمان لهتلر ؟
*ما سر حب الروس لستالين رغم أنه كان يحكمهم بقسوة أكثر من القياصرة أنفسهم؟
*ما سر شعبية الرئيس المصرى السابق جمال عبد الناصر رغم أنه كان ديكتاتورا من الطراز الأول؟ يكفى أنه المسئول عن مأساة 67 فقد ورطنا فى حرب غير متكافئة لا أعلم كم من شبابنا راح ضحيتها غير الخسائر المادية وعسكرة الاقتصاد وعار الهزيمة الذى ما زال يلاحقنا به اليهود بما يسمونه بحرب الأيام الستة
*ما سر تعلق الطفل بوالديه رغم كل قسوتهما عليه؟
*ما سر رضوخ المرأة فى مجتمعنا الشرقى ورفضها المطالبة بحقوقها؟

أقرب تفسير مقنع قرأته هو غياب الوعى والشعور بالعجز مثل ذلك الكتكوت الذى لا يريد أن يكبر أو ذلك النسر الذى لا يعى أنه يملك القدرة على الطيران ولا يعرف أن له عالم آخر. يظن أنه عاجز عن الحصول على طعامه إلا عن طريق ذلك المربى ويظن أن ذلك الرجل له فضل عليه فارتضى أن يعيش داخل ذلك السجن فهو لا يقدر أن يستغنى عنه أو كما يقول الكاتب عبد الكريم سليمان أن الإنسان إن وقع عليه ظلم من آخر فإن الشئ الطبيعى أن يرد هذا الظلم ولكن إن دخل عنصر الخوف فى حياته وشعر بالعجز عن رد الظلم فهو بطريقة غير واعية يرد الظلم على نفسه نتيجة عجزه عن تصويبه فى الاتجاه الصحيح أو بمعنى أدق شعوره بالعجز والنقص فيرفض العبد الحرية ويقاومها نتيجة دائرة سادومازوخية بين هذا الظالم القوى وبين المظلوم الخائف العاجز كما يحدث مع فتاة يعتدى عليها ذئب بشرى فتشعر بالذنب وتعالج المشكلة بأن تلجأ للانتحار
لقد قام الرئيس السوفييتى السابق خروتشوف بفضح ستالين بعد موته فأصاب الشعب الروسى بصدمة إنه لم يكشف ديكتاتورية ستالين بل كشف أن الشعب الروسى كان عاجزا ولا يعى كيف يحكم نفسه " تركوا ستالين ليفكر بدلا منهم كما كانوا يرددون فى أغانيهم ( ستالين يفكر فينا )"
يهتفون... على أى شئ؟ لا يهم-- المهم أنهم يهتفون .
يصفقون... لماذا؟ غيرمهم -- يكفى أنهم يصفقون.
فيناصرون مولاهم بدون محاسبة إنها الطريقة التى يستخدمها المستبد ليصير الشعب مجرد تابع " الحجر على التفكير وتغييب الوعى والدخول بهم فى عالم الشعارات وترديد الهتافات والثوابت"
لقد لجأ ستالين إلى تقليص عدد المثقفين فى الجيش وفي اللجنة المركزية للحزب الشيوعى وكان من المقربين منه رجل غير متعلم كان يعمل إسكافيا قبل دخوله السياسة ولكنه حاز على إعجاب ستالين لأنه ينفذ أوامره بدقة كما أنه ليس له أى وجهة نظر خاصة فى السياسة كان هذا الرجل دائما ما يردد " أنا متفق مع الرفيق ستالين فى كل ما يقول " ( يهيأ لى أن حكومة انقلاب يوليو قد اتخذت إجراءات مشابهة لذلك من أجل إصلاح البرلمان المصرى )

ولا يختلف فى ذلك المستبد السياسى عن الدينى
كما يذكر الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين " نحن جماعة المؤمنين وأهل الحل والعقد فى الإسلام" ---- "شعارنا دائما أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة"
فذلك الشاب الذى قتل المفكر فرج فودة لا يعرف سبب قتله لأنه لم يقرأ كتبه ولكن قيل له أن ذلك الرجل كافر لابد أن يموت.لم يكن عليه إلا التنفيذ.( لو قرأ من كتبه شيئا ربما غير رأيه )
حتى داخل الكنيسة سهل جدا أن نجد ذلك المستبد الذى يستغل سلطان الحل والربط ليتحكم فى الناس ويظن أنه يتحدث باسم الله " كلام الله يأتينا على فمه " فمن من الناس يمكن أن يعترض على كلام رجل الله عفوا أقصد كلام الله؟

والشئ المصاحب لغياب الوعى هو انتشار الأيديولوجيات كتعويض عن الخلل التفكيرى الموجود عند العامة (كالنرجسية التى تصاحب الخلل النفسى ) وقد تكون الأيديولوجيا هى الوسيلة لتغييب الوعى والهروب من الواقع فهى تجرد الإنسان من التفكير والإبداع وتحوله إلى آلة للدفاع عن آراء جامدة وهى كفيلة لتوجيه طاقة الغضب تجاه الخارج بدلا من مواجهة الذات وإصلاح الداخل

ومن أدوات الأيدولوجيا نظرية المؤامرات الخارجية
- استحدمها ستالين ليوهم الشعب الروسى أنه حامى حماهم وهو الراعى الصالح الذى ينقذهم من الذئاب الخارجية من الخونة والجواسيس أعداء الشيوعية وأعداء الشعب الروسى الذين يريدون إيذاءهم لذلك فوضه الشعب للقضاء على هؤلاء العملاء الوهميين الذين كشف لهم خروتشوف فيما بعد أن هؤلاء لم يكونوا ضد روسيا ولا ضد الشيوعية بل كانوا فقط ضد ظلم ستالين ( نفس الخطأ يقع فيه الشعب العربى الآن عندما يخون كل من يمد يده للخارج لمساعدته للقضاء على فساد الداخل فهؤلاء ليسوا خونة ولا عملاء ولا ضد الشعب العربى بل هم ضد الأنظمة الحاكمة الفاسدة)

- واستخدمها هتلر ليقود الألمان تجاه الحرب فقد شجع على إنتاج أفلام سينمائية تصور الشعب الألمانى الطيب الذى يلاقى القسوة والاضطهاد من الأجناس الأخرى لذلك فوضه الشعب ليطهر ألمانيا من رجس تلك الأجناس ( نفس الأسلوب المتبع فى السينما العربية التى تصور طيبة وإخلاص العرب مقابل إجرام وغدر اليهود فكراهية اليهود نابعة من الميديا العربية ومن مكبرات المساجد وليست فقط من أفعال اليهود فهناك عنف متبادل من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى فلماذا إذن نبارك " زيد" ثم نلعن "عبيد"؟ )

- واستخدمها حسن البنا عندما انقلب القصرعليه وكشف الوجه القبيح لأهداف حركة الإخوان المسلمين ومسئوليتهم عن عمليات تخريب داخل البلد فقد قال البنا "هناك دسائس خارجية وأصابع خفية كاليهودية العالمية والشيوعية الدولية .الاستعمار أنصار الإلحاد والإباحية تستهدف الإخوان"

- يستخدمها العرب لتفسير أى ظاهرة يعجزون عن تفسيرها علمية كانت أوأدبية فنية كانت أو فلسفية فتلك النظرية تمتلك الحل السحرى لأى مسألة رياضية مهما كانت معقدة ابتداء من هجوم السحابة السوداء فى الجو وانتهاء بغزو البعوض للمصايف على الأرض فالسر هو مؤامرات من جهات خارجية وربما أيضا من كائنات فضائية

- قد يستخدمها رجل الدين المسيحى إذا عجز عن تقديم حل عملى لمشكلة ما فيقول " إنها من حروب الشيطان" وهو بذلك ينقل المشكلة إلى عالم مجهول ويصور لنا تلك القوى الغيبية بصورة ضخمة لها القدرة للسيطرة علينا فكيف يمكن للشيطان أن يعوق تفكيرنا عن حل مشاكلنا رغم أن الرسول بولس يقول عنه أننا لا نجهل أفكاره "2كو11:2"

ومع غياب الوعى وانتشار الأيديولوجيا تلقى تلك النظرية رواجا كبيرا مثلما حدث فى مصرفى سبعينات القرن الماضى عندما أخرج المتطرفون الإسلاميون مسرحية هزلية (وزعت فى منشورات ) تقول أن بابا الأقباط يدبر مؤامرة لتقليص عدد المسلمين فى مصر وذلك بتحريض الأطباء الأفباط على إهمال مرضاهم من المسلمين ورغم أن الموضوع لا يعدو أن يكون سوى " نكتة سخيفة " إلا أن تلك المنشورات لاقت رواجا وكانت الشرارة الأولى لأحداث الفتنة الطائفية بعد أن أغلقت حكومتنا الموقرة عينيها عن فضح تلك المنشورات وتوعية الرأى العام

وسيطرت الأيديولوجيا العرقية على تفكير الألمان فى وقت النازية (سيادة الجنس الآرى ذو الأعين الزرقاء والشعر الأصفر) والأيديولوجيا الاشتراكية فى روسيا بعد الثورة البلشفية والأيديولوجيا القومية سيطرت على المصريين أيام عبد الناصر والأيديولوجيا الدينية منذ زمن بعيد كانت وما زالت تسيطر على تفكير المجتمع الشرقى بكل طوائفه وفى مصر على سبيل المثال منذ بدايات الألف الثانية ونحن يحكمنا أجانب فقد حكمنا المماليك بالاستبداد والفساد وكانوا مشغولين بالصراع على السلطة كلما اعتلى أحدهم الحكم قتله آخر وحل بدلا منه فانتشرت القلاقل والاضطرابات ولم يحرك أحد ساكنا ثم جاء العثمانيون وعندما فرضوا سيطرتهم نهبوا خيرات البلد ونشروا الجهل وفرضوا العزلة ولم يعترض أحد وإن حدث وثار الشعب فهو يثور مطالبا بالعدل وليس الحرية أو الاستقلال ولكن عندما جاءت الحملة الفرنسية ثار المصريون عن بكرة أبيهم حتى أجبروها على الرحيل أما ما يثير السخرية فهو أن الطريق كان مفتوحا أمام المصريين ليحكموا أنفسهم ولكنهم أبوا إلا أن يرجعوا بكامل إرادتهم للحكم العثمانى ( رغم كل ما عانوه منهم فى الماضى ) وكأنهم اعتادوا على العبودية ورضوا أن ترجع مصر ولاية عثمانية تابعة لسلطان الآستانة.
ولما لا؟ ما دام هذا السلطان ينطق بالشهادتين!!!

د. ماركوس ملطى عياد