الأربعاء، سبتمبر ٢٨، ٢٠٠٥

يا أزلام الطائفية : لو أصغيتم لهمساتنا ما صرخنا


* لماذا يصاب "الداخل" بالرعب عندما يسمع كلمة "الخارج"؟ لماذا يجن جنون الكتاب القوميين وكتاب السلطة كلما سمعوا تلك الكلمة؟ أليست هذه ملاحظة جديرة بالاهتمام؟ ألا يدل هذا على أن الخارج هو ورقة مهمة جدا فى الضغط على الداخل؟ فلما لا نستغل تلك الورقة ما دمنا أصحاب مطالب مشروعة؟
* لاعب كرة القدم إن ظلمه ناديه فإنه يرفع شكواه إلى الاتحاد الدولى "الفيفا" فلما لا يتهمه أحد بالخيانة أوالعمالة أو بتشويه سمعة مصر أو بالتطرف كما يتهمون الأقباط؟
* عندما يقوم طبيب أشعة بفحص لشخص مريض ولا يظهر أى مرض ثم يقوم طبيب ثان بفحصه ويكتشف وجود مرض معين فإن الأول ليس من حقه أن يدعى أن الشخص سليم أما الثانى فمن حقه أن يتكلم باسم المريض لأنه اكتشف المرض كذلك عندما يظهر أحد الأقباط من المتزلفين للسلطة ليدعى أن الأقباط "مية فل وعشرة" ثم يأتى آخر ليكشف معاناتهم فإن الأول لا يعتد بكلامه ويصبح الثانى هو المتحدث باسم المظلومين منهم لأنه كشف مرضا معينا فى المجتمع
* رغم ما يستند إليه الكثير من الكتاب من وجود صداقات وعلاقات وتواصل بين قطبى الأمة إلا أنهم لا يتطرقون لهمومنا نحن الأقباط فلماذا نعامل كرعايا وليس مواطنين أليست هذه هى بلدنا بل أقول لكل من يتشكك فى وطنيتنا إنها مصرنا يا .... .... هذه أرضنا وتلك سماؤنا وذاك نيلنا الذى جرى فى عروقنا من آلاف السنين وكل أثر فى هذا البلد بنيناه نحن بسواعد أجدادنا ثم يأتى عصر حقوق الإنسان لنعامل فيه كمواطنين من الدرجة الثانية ولتطبق علينا قوانين مستقاة من شريعة لا نؤمن بها وأوهمونا أن ذلك لطفا وسماحة وإن صدقنا هؤلاء المصابين بعمى الألوان المدعين أن مصر ليس بها أى نوع من الاضطهاد للأقباط ألا تكفى تلك القوانين لتعبر عن وجود ظلم واضطهاد؟ ألا تكفى تلك القوانين لتعبر عن وجود تمييز وعنصرية؟ ثم يأتى من يسرح بنا فى عالم اليوتوبيا الغير موجود سوى فى خياله المريض ليوهمنا أن مصر هى المصدر الوحيد لإنتاج وتصدير أسرار التسامح للعالم ويتهم كل من يصرخ فى وجه الظلم بأنه خائن وعميل ومتطرف. فلتزيلوا كل مظاهر التمييز فلترفعوا من سقف المساواة فلتعطونا حقوقنا فى المواطنة الكاملة وكفانا الله وإياكم شر الخصام
* أنا أحيى الرجل الشجاع عدلى أبادير الذى ما زال قلبه يحوى شبابا وحيوية وما زال عقله متوقدا بالذكاء وأستعير من الكتاب المقدس تلك الكلمات وأقول له "لا تخف تكلم ولا تسكت"أع9:18" نعم تكلم وكلنا سنتكلم معك وكلنا سنشعلها نارا معك فكلنا عدلى أبادير سوف نتكلم ولن نسكت سوف نهمس وسوف نصرخ فى وقت مناسب وفى وقت غير مناسب فى الداخل وفى الخارج سوف نصر على مطالبنا كاملة وكما قال موسى النبى لفرعون منذ أكثر من 3آلاف عام "لن يبقى ظلف (ظفر بهيمة)"خر26:10" سوف نقول لفرعون هذا الزمان ولكل عبيده لن يبقى لنا ظلف من حقوقنا دون أن نطالب به . دماء إخوتنا وآبائنا الذين زهقت أرواحهم على مذابح الطائفية لن نتركها تضيع هدرا لن نتنازل عن قطرة دم سقطت ظلما لن ننسى ضحايانا فى ديروط وصنبو وطما وكفر دميان وأبو قرقاص والكشح سوف نطالب بحق كل مظلوم حرم من منصب يستحقه كل كاهن أهين أو تعرض للإيذاء المعنوى أو البدنى بسبب تطوعه ليصلح نافذة مكسورة فى كنيسة أو مرحاض حمام يستخدمه حتى عابر السبيل لن نتنازل عن حق أى فتاة أجبرت على تغيير دينها نتيجة لتعرضها لأى نوع من الضغوط لن نتنازل عن حق أى إنسان ترك الديانة المسيحية ثم وجد الطريق مسدودا عندما أراد الرجوع عن قراره لن نتنازل عن حقوقنا فى تسهيل إجراءات بناء دور العبادة كما يحدث مع إخوتنا المسلمين ولا أعلم لماذا يخافون من بناء الكنائس؟ ألا يكفى أننا نصلى فى تلك الأماكن من أجل الملوك والرؤساء والأصدقاء والأعداء بينما يستغل البعض المساجد ليجعل منها منبرا للعنصرية؟سوف نطالب بقطع لسان كل من يحرض على كراهيتنا فى الإعلام والصحف والكتب سوف نذهب لتراب الأرض لنخبره عن حقوقنا المشروعة وليشهد على ظلم أبناء الوطن لشركائهم فى الوطن سوف نخبر العالم أننا نعامل كالكلاب فى وطننا وننتظر من يلقى لنا الفتات ليعتبرها حسنات بينما فى الدول المتحضرة تصدر قوانين لحماية الأقليات من خطر العنصرية حتى لو كانت تلك الأقليات من المهاجرين أما نحن الأقباط أصحاب الأرض الأصليين نعامل كرعايا وليس مواطنين ثم يتحفنا أزلام الحكومة بمصر الحضارة ومصر التاريخ ويستشهدون بالولائم والقبلات التى تظهر أمام العدسات فى المناسبات ويستحضرون شعارات التاريخ والرموز الدينية كلما ألمت بهم اللائمة ليوهموا العالم بالمساواة المزيفة أما فيما عدا ذلك فجعلونا غرباء فى أرضنا
* أتذكر منذ عدة سنوات فى يوم من أيام مصر التاريخية وفى ساعة من ساعاتها التاريخية وفى مؤتمر من مؤتمراتها التاريخية خرج علينا سيادة الرئيس بتصريح نارى من تصريحاته التاريخية ليرد به على سؤال حول تعديل بعض القوانين الخاصة ببناء دور العبادة للأقباط وكان ردا مفحما عندما قال " لا توجد أي تغييرات فى تلك القوانين وهى موضوعة أصلا لحماية الأقباط" وما بين الحسرة والآهة تصدر عنى ضحكة حزينة ولسان حالى يقول "وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا" وبعد تأملى فى عبارة "حماية الأقباط" تمهلت قليلا ريثما أبلع ريقى حيث أثلجت قلبى تلك العبارة الكبيرة التى لم أسمعها سابقا من أى مسئول ولكننى والحمد لله أفقت بسرعة من العناية المركزة على سؤال خطر ببالى أريد أن أسأله لزعيمنا التاريخى ليرد علينا بإجابة من إجاباته التاريخية :إن كانت تلك القوانين موضوعة لحماية الأقلية القبطية فلما لا تطبق على شركائنا فى الوطن الأغلبية المسلمة حماية لهم؟"
* وأخيرا أقول لهؤلاء الكتاب الطائفيين الذين يتهموننا بالعصيان والخيانة والتطرف لقد تكلمنا وتكلمنا مرارا وتكرارا لعشرات السنين فى الداخل مطالبين بحقوقنا فمن منكم دافع عنا؟ وماذا قدمتم لنا؟ لقد تجاهلتمونا وضربتم بمطالبنا عرض الحائط ولسان حالكم يقول "دونكم البحر ارتووا منه" نعم دوننا البحر ولكننا عبرناه ولسان حالنا يقول لكم "لو استجبتم لمطالبنا ما عبرنا ولو أصغيتم لهمساتنا ما صرخنا
د.ماركوس ملطى عياد"

الجمعة، سبتمبر ٢٣، ٢٠٠٥

الأقباط متحدون


قراءة في الملف الأسود لمصطفى بكري
المعارض المزيف. واللعب على كل الحبال !!
مصطفى بكري خير من يمثلكم ويمثل لكم ويمثل بكم ويمثل عليكم!
قد يرشح مصطفى بكري نفسه لرئاسة الجمهورية فيفوز بأصوات الملايين من المصريين، وقد يرشح نفسه لعضوية البرلمان فيفوز بعشرات الآلاف من الأصوات.. أما أن يرشح نفسه لمنصب نقيب الصحفيين فقد حق عليه المثل المصري القائل "جاء ليبيع الماء في حارة السقايين".. هذا ما يقوله مئات الصحفيين من الجيل الذي عاصر نشأة مصطفى بكري وتسلقه درجات السلم الصحفي حتى أصبح من وجهة نظر البسطاء من المصريين والعرب بطلاً أسطورياً ! ولأنه كذب الكذبة وكان أول من صدقها فقد أقدم على ترشيح نفسه نقيباً للصحفيين في انتخابات الخامس والعشرين من سبتمبر 2005 ميلادية، وإذا كان بكري ينسى أو يتناسى فإن ذاكرة الجيل الذي عاصر بدايات بكري وخطواته لا ينسى صفحات سوداء في تاريخ مصطفى بكري ومن عناوينها والأسئلة المطروحة فيها:
- مصطفى بكري المعارض للتطبيع مع العدو الصهيوني.. هو أحد المستشارين الإعلاميين لصاحب السمو أمير قطر!
- ولماذا وهو المعارض للتطبيع لا يستطيع أن يوجه النقد للعاهل الأردني الملك عبد الله أو السلطان قابوس، ولا للمبادارت السعودية للتعايش السلمي مع إسرائيل ؟
- وإذا كان بكري يرفع شعار (لا للتطبيع) في حملته الانتخابية لمنصب النقيب.. فهل سنسمعه يقول لا لمئات الآلاف من الدولارات التي ترد إلى صحيفة الأسبوع سنوياً قيمة الدعم الإعلاني والنسخ المباعة بالجملة كمساعدات من حكومات قطر والسعودية وسلطنة عمان والأردن ؟
- ما هو محتوى الملف الصوتي المنسوخ على سي دي والذي أرسله مصطفى بكري مع مخصوص في مظروف إلى مباحث أمن الدولة في لاظوغلي بعد عودته من زيارة مكتب الإرشاد واجتماعه بقيادات جماعة الإخوان المسلمين لإقناعهم بمساندته كمرشح لمنصب نقيب الصحفيين ؟!!
هذا الملف الصوتي تم نقله من جهاز تسجيل ديجيتال من النوع الذي يسجل 36 ساعة ماركة دايني إلى جهاز كمبيوتر خاص بمصطفى بكري ومنه إلى سي دي !!
- مصطفى بكري المعارض الكبير هل يستطيع أن يقدم للصحفيين فواتير تليفونه المحمول عن الفترة من يناير إلى مايو 2003 ويعلن للصحفيين السبب الحقيقي وراء تكرار أرقام لضباط مباحث أمن الدولة في مكالمات أجراها قبل وبعد المؤتمرات والمظاهرات المناهضة للحرب على العراق ؟! .. نتحدى بكري أن يقدم فواتير تليفونه المحمول للصحفيين وهذه الفواتير تتكرر فيها الأرقام الآتية خاصة خلال عام 2003 وسنجد بها الأرقام التالية:
( 0123116300، 0123140808، 0122162244، 0122433062 ) وهي أرقام لضباط بمباحث أمن الدولة بالقاهرة، وتزيد مدة المكالمة بعد كل مظاهرة ومؤتمر عن 15 دقيقة !
- مصطفى بكري باع مجدي حسين وزملاءه في جريدة الشعب وعقد صفقة مع علاء حسن الألفي نجل وزير الداخلية السابق باع فيها أسرار جريدة الشعب ومستنداتها عندما كان يتولى شقيقه محمود بكري منصب مدير تحرير الشعب خلال النزاع القضائي بين الجريدة واللواء حسن الألفي وزير الداخلية السابق وبينما كان مجدي حسين رئيس تحرير الشعب وزملاؤه تحت المحاكمة في دعوى السب والقذف التي أقامها وزير الداخلية السابق كان بكري يوقع الصفقة ليدخل مجدي وزملاؤه السجن وينشر بكري إعلانات لشركات علاء حسن الألفي !
- وباع مصطفى بكري أصدقاءه وزملاءه في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وسلم ملفات المنظمة إلى أجهزة الأمن التي طلبت منه تقديم بلاغ ضد حافظ أبو سعده أمين عام المنظمة المصرية بتهمة تلقي مساعدات من الخارج مستنداً إلى صور شيكات واردة إلى المنظمة كانت تحت يد بكري بصفته أحد أعضاء مجلس أمناء المنظمة التي تذكر بكري فجأة أنها تتلقى دعماً أجنبياً، وكان بكري شاهد الإثبات الذي أدت أقواله إلى حبس أبو سعده على ذمة التحقيق.
- وللبيع قصص متكررة في رحلة عمل بكري فقد عقد صفقة مع شركة الترامكو حصل بموجبها على عدد من سيارات الميكروباص كانت تطوف شوارع القاهرة وعليها اسم جريدة الأسبوع وشعارها، مقابل عدم نشر ملف تضمن مخالفات وعيوب في الصناعة في سيارات الترامكو، وباع مصطفى بكري ملف الفساد في أحد البنوك، الملف أعده الصحفي مؤمن أحمد ونشر منه عدة حلقات في صحيفة الأسبوع لكنه فوجئ بالسيد / بكري يوقف الحملة وينشر إعلاناً عن البنك ويطلب من مؤمن أن يتسلم عمولته عن صفقة الإعلانات، ولم يتحمل مؤمن أحمد ما فعله بكري وترك العمل في الجريدة، وتكررت ذات الواقعة مع مراسل الأسبوع بالإسكندرية أحمد حسن بكر الذي أرسل ملفات خاصة بوقائع فساد ففوجئ بتسليمها إلى المتهمين في هذه الوقائع ليحل محلها صفحات إعلانية، في وقائع يعرفها جميع الصحفيين بالإسكندرية مما دفع بأحمد حسن إلى ترك العمل في الأسبوع، وتكررت نفس القصة مع عدد من الزملاء في صحيفة الأسبوع، ومع صحفيين من خارج الأسبوع، ومنهم الزميل الصحفي محمد حلمي منصور مساعد رئيس تحرير صحيفة الحقيقة السابق، الذي أرسل إلى مصطفى بكري بواسطة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ملفاً خاص بفساد أحد المحافظين ففوجئ بوصول الملف إلى المحافظ وبإعلانات تشيد بإنجازات هذا المحافظ، هذا بالإضافة إلى الصفقات الإعلانية التي وقعها بكري مستخدماً مستندات ملفات الفساد التي يقوم الصحفيون بتجميعها لنشرها في صحيفة الأسبوع !
- لماذا تذكر بكري مخالفات الدكتور يوسف والي وزير الزراعة السابق بعد أن استمر لعدة سنوات يحصل على إعلانات من وزارة الزراعة لجميع الصحف التي رأس تحريرها؟، وهل هناك علاقة بين ما نشره بكري عن يوسف والي وخلافات والي مع صفوت الشريف ؟ أم أن بكري استأسد على الدكتور والي بعد أن علم القاصي والداني أن أيام والي في السلطة قد انتهت ؟
- لماذا تذكر بكري ما أدعى أنها مخالفات للأستاذ / إبراهيم نافع بعد أن ترك منصبه رئيساً لمجلس إدارة وتحرير الأهرام؟ .. بكري يزعم أنه لم يكن يعلم بهذه المخالفات ولو جاءته مستنداتها لقام بالنشر فوراً دون النظر الى صداقته بنافع وتناسى بكري أن ما قيل إنه مخالفات ونفس المستندات هي التي كان يتم توزيعها في منشورات مطبوعة ورقياً ومنشورات على الإنترنت منذ عام 2001 وتم محاكمة أصحابها بتهم السب والقذف والتشهير وصدرت أحكام قضائية بإدانتهم بأحكام الحبس والغرامة وهم الصحفيون محمد أبولواية، ومحمد عبد أللاه، وأحمد هر يدي!!
- أما ما ينشره بكري عن سمير رجب: فنسأله ماذا يعرف عن الصحفي الذي تقاضي ستين ألف جنيه قيمة طباعة كتاب عن سمير رجب ؟!
- وماذا يعرف عن إعدام مائة ألف جنيه كديون على صحيفة الأسبوع مقابل مواقفها ضد سمير رجب !!
- مصطفى بكري الإنسان صاحب المبادئ أصر على أن يقوم الشاعر سيد أمين بتوقيع إيصال أمانة كشرط لإعطائه أوراق رسمية بمفردات مرتبه كصحفي بالأسبوع كي يستعين بها في إجراءات الحصول على سيارة خاصة بالمعاقين، والمعروف أن الشاعر سيد أمين يعاني من نسبة إعاقة خفيفة في ساقه ويحتاج لمثل هذه السيارة لتنقله من مسكنه في منطقة نائية بالمقطم جنوب القاهرة إلى مقر عمله بجريدة الأسبوع بدلاً من البهدلة في وسائل النقل العام!!
ونحن بصدد الحديث عن الشاعر سيد أمين نتساءل: لماذا رفض مصطفى بكري نشر كتابات وأشعار سيد أمين التي كانت تتضمن تلميحاً نقدياً ضد الحاكم المستبد، وكذلك أشعاره التي تتضمن تلميحات عن أجهزة أمنية !!
- مصطفى بكري الإنسان بذل كل ما في وسعه للتنكيل بمجدي عبد الجواد الداغر خلال عمله كمدرس مساعد للصحافة بجامعة جنوب الوادي فاستغل علاقته بمحافظ قنا ورئيس جامعة جنوب الوادي لإحالة مجدي للتحقيق مما أدى إلى تعطيل حصوله على درجة الماجستير وكاد يؤدي به إلى التعيين في وظيفة إدارية والسبب هو ما كتبه في صحيفة العرب اليوم الصادرة بترخيص قبرصي وتناول فيه قصة استلام بكري خلال رئاسته لصحيفة الأحرار عام 1995 لشيك بملغ 330 ألف قيمة خدماته للجماهيرية الليبية ولمساندته في الترشيح لعضوية مجلس الشعب – حسب ما ورد في مستند صرف الشيك - مصطفى بكري لم يكتف بالتنكيل بمجدي عبد الجواد رئيس التحرير التنفيذي وإنما تدخل لدى مجلس نقابة الصحفيين لمنع حصول الداغر على عضوية نقابة الصحفيين من جريدة الأمة كما طارده حتى في محاولة الحصول على عضوية جدول المنتسبين عندما كان رجائي الميرغني هو المهيمن على لجنة القيد.
ولم يتوقف انتقام بكري عند هذا الحد فقد أجرى اتصالاته بوزير الإعلام صفوت الشريف لوقف صدور صحيفة العرب اليوم التي أنفق فيها الدكتور عصام عبد الشافي كل ما يملك (الدكتور عصام عبد الشافي معاق ومتزوج ويعول وتسبب بكري في إغلاق مصدر رزقه).
- مصطفى بكري المفبركاتي الأول في مصر يطمع في منصب نقيب الصحفيين ظناً منه أن ذاكرة الصحفيين لا تحتفظ بوقائع الفبركة، فالسيد بكري هو الوحيد في العالم الذي يتفوق على السي آي ايه والموساد وكل أجهزة الاستخبارات في العالم قديماً وحديثاً، فهو الوحيد صاحب المصادر العليمة والمطلعة التي تخترق أجهزة الموساد والسي آي ايه وتدخل معقل أسامة بن لادن ومصعب الزرقاوي، وتخترق حراسات جورج بوش ورامسفيلد وكوندليزا رايس لتسجل لهم جلساتهم وحوارا تهم ومفاوضاتهم، فنراه يلقي في وجوهنا بين أسبوع وآخر بما يدعي أنه محاضر اللقاء السرية بين فلان وعلان، فتارة ينفرد بمحضر اللقاء بين صدام حسين ورامسفيلد ويسارع بنشر هذا المحضر المزعوم وكأن مثل هذا اللقاء الوهمي كان يحتاج إلى محضر، وتارة أخرى ينفرد بمحضر اللقاء السري بين قادة الموساد والسي آي ايه، وحكايات المحضر السري هذه كررها بكري عشرات المرات ولم يرتدع من تكذيب عمرو موسى لما نشره على لسانه ولا من سخرية السلطات البريطانية من محاضره الوهمية، وواصل انفراداته الوهمية، وجعل من مصعب الزرقاوي عميلاً للموساد وتفوق على سلطات التحقيق الفرنسية واتهم الموساد بقتل ياسر عرفات، وقريباً ربما ينفرد بمحضر لقاء الملكين بياسر عرفات في قبره!
- مصطفى بكري الذي يدعي أنه سيحافظ على كرامة المهنة استخرج كارنيهات من جريدة الأسبوع بوظيفة محرر لمندوبي الإعلانات ويخلط بين المادة التحريرية والإعلانية للتهرب من الضرائب وينشر أسماء مندوبي الإعلانات الذين لم ولن يحصلوا على مؤهل عال على أنهم محررين ويخطط لهم مع شقيقيه محمود وعبد الحميد لوقائع الابتزاز وبيع المستندات المهمة لخصوم المستضعفين الذي ظنوا في جريدة الأسبوع خيرا ً ، ومئات من الصحفيين يعلمون أن شقيقه عبد الحميد بكري هو مدير الإعلانات في الأسبوع ومع ذلك فهو عضو نقابة الصحفيين !
- بكري الذي سيرفع راتب الصحفي وبدل التدريب والتكنولوجيا جعل من أساسي راتب الصحفي المعين في صحيفة الأسبوع مائة وخمسين جنيهاً، والعشرات من الصحفيين بالأسبوع لا يتجاوز راتبهم أربعمائة جنيه، والذين تزيد رواتبهم عن ذلك هم خواص بكري وشلته فهو حريص على شلة بعينها في جميع الصحف التي ترأس تحريرها، وعندما كان يحل برئاسته على صحيفة يقوم باستبعاد وتجميد العديد من الصحفيين حتى الكبار منهم وله في صحيفة الأحرار العديد من السوابق التي بدأت باستبعاد كاريكاتير الفنان نبيل صادق ليحل محله كاريكاتير أحد المقربين من بكري، ومن الصحفيين الذين تم تجميدهم في الأحرار لفترة طويلة الزميل خالد القشيري.
- مصطفى بكري المعارض الكبير نشر - بناء على طلب إحدى الجهات - خبراً عن طلب أمريكا بإقالة العادلي من منصب وزير الداخلية بعد أن وردت معلومات مؤكدة بتفكير الرئيس مبارك في إقالة العادلي عقب الأعمال الإرهابية في طابا وشرم الشيخ.. والمعنى مفهوم من نشر مصطفى بكري لمثل هذا الخبر هو تعطيل قرار إقالة العادلي فلا يمكن لمبارك أن يقيل الوزير بعد أن نشرت صحيفة الأسبوع خبراً يؤكد أن الإقالة طلب أمريكي، وقد المح الكاتب الصحفي جمال سلطان إلى ذلك في مقال له بصحيفة المصريين الإلكترونية!
- مصطفى بكري المعارض الوحيد الذي أصدر النائب العام قراراً بإيقاف أحكام نهائية بحبسه في قضايا سب وقذف أما غيره من المعارضين فهم أولاد جارية دخلوا السجون وقضوا عقوبات تصل إلى السنة ومنهم مجدي حسين وصلاح بدوي ومحمد هلال وعبد الستار أبو حسين ومحمد أبولواية، والمرة الوحيدة التي دخل فيها بكري السجن لعدة أيام قال عنها بلسانه في ندوة بنقابة الصحفيين إنه كان ملكاً في السجن ! ، أما غيره من المعارضين وأصحاب الرأي فقد ذاقوا مرارة السجن بمعناها الحقيقي!
- مصطفى بكري المناضل المزيف أنشأ التجمع الوطني من أجل الإصلاح في محاولة لسحب البساط من تحت حركة (كفاية) ، وبعد أن علم بشروع جماعة الإخوان المسلمين في إنشاء التحالف الوطني من أجل التغيير!!
- مصطفى بكري هو المعارض الوحيد في دول العالم الثالث الذي تسمح له السلطات بالظهور في جميع القنوات التليفزيونية والإذاعات الخاضعة لسيطرة الحكومة المصرية – التي يعارضها – والمتابع لخطة تلميع بكري الزائدة عن اللزوم يظن أن معارضين من أمثال عادل حسين ومجدي حسين وعبد الحليم قنديل وعبد الله السناوي لا يمتلكون واحد في المائة من القدرات الخارقة لمصطفى بكري !
- وكيف تتسق معارضة مصطفى بكري مع الدعم العلني الذي يلقاه من أمين عام الحزب الوطني صفوت الشريف، الذي قام بنفسه بافتتاح مقر جريدة الأسبوع وبذل كل الجهود لمساندة بكري والتوصية بدعمه إعلانياً من هيئات ومصالح حكومية؟
- مصطفى بكري الشهيد الوهمي لبطولات لم يصنعها ومعارك لم يرفع فيها سيف.. فقد أغلقت السلطات صحيفة مصر الفتاة بسبب مقالات علي الدين صالح (رحمه الله) رئيس حزب مصر الفتاة ومؤسسه فادعى بكري أن إغلاق الصحيفة كان بسبب مقالاته، وتمت الإطاحة به من رئاسة تحرير صحيفة الأحرار بسبب تحقيق كتبه الصحفي أحمد فكري فادعى بكري أن النظام أبعده عن الأحرار بسبب كتاباته ومواقفه المعارضة !فهل اقتربت الساعة وظهرت علاماتها فيسند الأمر إلى غير أهله ويصبح بكري رمزاً للصحفيين المصريين ونقيباً لهم ؟!

الأقباط والإخوان بين الشريعة والمواطنة


الأقباط والإخوان بين الشريعة والمواطنة
كمال زاخر موسى


أما وقد اخترنا الديموقراطية منهاجاً لإدارة الوطن فإن تعبيري الأغلبية والأقلية لا بد أن يبرحا مربع العقيدة الدينية ليستقرا في رحاب التوجه السياسي بحسب تجربة الدول التي سبقتنا في هذا المضمار والتي حصدت نتيجة لذلك تقدماً واستقراراً لا تخطئهما عين، ولعلنا نجد ـ بعيداً عن أمريكا وأوروبا ـ في تجربة جنوب شرق آسيا إضافة إلى اليابان خير دليل على ذلك والتي نجحت ـ عبر تأكيد مبدأ المواطنة ـ في استثمار كل طاقاتها البشرية بغير تمييز أو فرز في تحقيق تنمية حقيقية وضعتها في مصاف الدول الكبرى اقتصادياً بل وتجاوزتها إلى الدرجة التي دفعت أمريكا لبحث فرض قيود للحد من غزو السلع الآسيوية لأسواقها.
لذلك فالبقاء سياسياً في مربع المعتقد الديني وما ينتجه من رؤى ومواقف استعلائية تنعكس بالضرورة على مواثيقنا الدستورية والقانونية فمن شأنه أن يجعلنا ندور في حلقة مفرغة تستنزف جهدنا وتعيد إنتاج أجواء العصور الوسطى التي دمرت أوروبا والغرب، لولا صحوتها المدنية والتي أعادت للدين دوره الروحي والتنويري في ضبط العلاقة بين المرء وربه لتستقيم تبعاً لذلك العلاقة بين البشر وبعضهم، وهى رؤى تؤكد أننا لا نقرأ دروس التاريخ ولا نبدأ من حيث انتهى الآخرون بل نستطيب الوقوع في ذات الأخطاء، في زمن مختلف لا يسمح بتكرار التجربة، غير عابئين بنتائج ثورة الإتصالات وتكاتف العالم في مواجهة دعوات الطائفية والتمايز الديني بكل أشكاله، بغير أن يفسر المتربصون هذا بأنه استقواء بالغرب في ظل نظرية المؤامرة.
ويبدو أن الطبع يغلب التطبع بحسب المأثور الشعبي العبقري، فها نحن نتلقى ـ في غير اندهاش ـ التصريحات المنسوبة للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بأن المساس بالمادة الثانية من الدستور هو تجاوز لخطوط حمراء لا يجب الإقتراب منها، بل ينتقل مسرعاً ليضيف " لن يكون لنا رأى سوى اللجوء للشعب لحماية معتقداته ودينه " ولم استطع أن أفهم كيف يكون الحوار حول تعديل مادة دستورية مهدداً لمعتقد شعب ودينه، ليصبح السؤال الذي نطالبه بالإجابة عليه هل حماية المعتقد والدين قائمة على نص في الدستور ؟ لكنها الإثارة والتلاعب بالعاطفة الدينية عند بسطاء المصريين، وان كنت التمس له العذر بعد أن كشفت الإنتخابات الرئاسية القريبة الحجم الحقيقي لجماعته، التي ملأت الدنيا ضجيجاً بغير طحن، ويبدو أنه كان أقل حدة من رموز جماعة الجهاد الذين صرحوا في ذات السياق(بأن الإقتراب من هذا الموضوع سيفجر حرباً أهلية داخل مصر) مجرد الإقتراب(!!) وأضاف أخر " أن هذه المطالب لن تكون إلا على جثث الجميع ويستطرد قائلاً: ومعنى ذلك أن أصحاب هذا الرأي يطالبون بحمامات دم في مصر " يا ساتر مجرد لفحة ديمقراطية من باب موارب تثير كل هذا الهياج والتلويح بالعنف والدم !! لكن رب ضارة نافعة فهذه فرصة متاحةالواحدة.ؤيد قيام حزب ديني ليراجع قناعاته ويتصور ماذا لو قام مثل هذا الحزب ووصل من خلال آليات الديمقراطية لسدة الحكم ماذا ينتظر الوطن على ايديهم ؟ طبعاً هم يؤمنون بديمقراطية المرة الواحدة.
على أن هذا لا يمنعنا من التمسك بحق الحوار لعلنا نجد رداً بالقلم لا بالعنف وبالرأي لا بسيارة مفخخة، وقد نكون بحاجة إلى التوقف عند موقفهم من حرية العقيدة والاعتقاد فيما يحسبه البعض تسامحاً، باللجوء إلى طرح بعض من نصوص دينية بطريقة الإنتقاء وبكيفية تجعل من يناقش هذا الطرح وكأنه يتعرض للنصوص بالرفض والتجريح وهو ما يوقع المرء في مأزق مفخخ، وهو واحد من تداعيات تسييس الدين وتديين السياسة، وقراءة العلاقات المجتمعية والمراكز القانونية للأفراد من منظور ديني يرتب لهم الحقوق والواجبات، واكتفى هنا بمقولتين يتم ترويجهما في هذا الصدد، يترددان بإصرار في أدبيات تيارات الإسلام السياسي:
من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ وهى قاعدة تعد عنواناً للتسامح والحرية، لكنها توظف عند هذه التيارات بأن من يختلف معهم هو من الكافرين، ويضعون البذرة الأولى لفكر التمييز والإستعلاء، ورغم أنها قاعدة دينية نصية لا يملك أحد التعرض لها أو التعريض بها، لكنها تبقى كذلك طالما بقيت في إطار الدين ولكن عندما تتحول إلى نص يوظف في الحكم على العلاقات داخل مجتمع متعدد الأديان تتحول إلى موقف سياسي يحتمل التداول والحوار والتحليل السياسي والمجتمعي، ويبقى السؤال: هل يقبل داعمو هذه القاعدة أن يصفهم أصحاب الديانات الأخرى وشركائهم في الوطن بأنهم من الكافرين !! السنا بهذا نفتح الباب على مصراعيه لصراع مجتمعي مدمر لا حد لسقفه ؟! .
لهم ما لنا وعليهم ما علينا؛ وهذه مقولة أخرى تتردد في ذات السياق ولنا عليها بعض الملاحظات بعيداً عن مصدرها الديني الذي كان يهدف في حينه دعم المساواة إنما في أبعادها السياسية والمجتمعية في مناخ يكرسها للفرز والإستعلاء في مخالفة صارخة لمفهومها الأول:
فهي تقر ابتداء بوجود " لنا ولهم، وعلينا وعليهم " بمعنى أنها تؤكد " نحن وهم " وهى خطوة هامة في تأكيد الفرز والثنائية في وطن واحد من المفترض أن تقوم العلاقات فيه على " المساواة «.
إنها تكشف عن طرف يمنح هو الذي قرر أن يكون للآخر ما للمانح وعليه ما على المانح، وهو أمر مرتبط بإرادة المانح الذي يملك أن يعيد النظر في منحته هذه وفقاً لقاعدة " أن من له حق المنح له حق المنع «.
وهى أيضاً تحمل نبرة المحتل والذي يقرر حدود حقوق وواجبات من وقع عليهم الإحتلال، وهو ما لا يستقيم في توصيف شعب وطن مستقل متعدد الأديان والعقائد، وتقوم منظومة الواجبات والحقوق فيه على أساس الإنتماء للوطن.
والمناخ الثقافي الذي يروج له في الشارع المصري يموج بالعديد من النماذج المماثلة لهذين النموذجين بل ويذهب إلى ما هو أقصى وابعد في اتجاه استبعاد المختلف عن عقيدة الأغلبية المسلمة، وعدم الإعتراف به كمواطن كامل المواطنة وفقاً لفقه الإسلام السياسي، وهو الأمر الذي يفسر موجات الإرهاب المتوالية التي ما كانت لتوجد أو تستشري بغير دعم فكرى عات يربط بين صحة الإيمان والجهاد ضد الكفرة، ويجد هذا التوجه تجاوباً من العامة بل وتسلل إلى قطاعات عديدة من النخبة وإن قالوا بغير ذلك.
دعونا نعود للدستور ـ وهو قانون وضعي يحتمل الحوار حوله ومراجعته وفق متغيرات العصر ـ ففي نصين قاطعين يؤكد الدستور المصري الصادر في 11 سبتمر 1971 على مبدأ المواطنة ومبدأ حرية العقيدة:
مادة ( 40 ) المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات ا

لعامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
مادة ( 46 ) تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
وهو أمر يحمى المواطن لكونه مواطناً، ويؤكد أن الحقوق والواجبات مردها مبدأ " المواطنة «، وفى تقديم الدستور يقول الأستاذ عصمت الهوارى المحامى ـ في تقديمه لنصوص الدستور والقوانين المكملة له والتي نشرتها مجلة المحاماة في ملحق العددين الثالث والرابع، السنة التاسعة والستون 1989 ـ " وما من ريب أن الدستور ليس شعارات معسولة، وليست العبرة بنصوص مكتوبة تحمل اسم الدستور، وإنما العبرة كل العبرة بالطهارة الدستورية عند تطبيق ما تضمنه الدستور من نصوص.. تلك الطهارة التي هى مطلب أساسي في بلاد يتنازع فيها الخير مع الشر، ويختلط فيها الحق مع الباطل «،
فضلاً عن هذا فأن ذات الدستور ينص في مادة أسبق على تعبير غامض رغم وضوحه التام وأتصور أن واقع الحال وبعد التطور الذي لحق بمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان يفرض علينا مراجعته، بعد أن نتجاوز الضجيج الذي ولدته المطالبة بمراجعة هذا النص (المادة الثانية ) والتي تنص على:الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
وقد استعصى على ذهني تفسير منطوق " دين الدولة " فلا يكفى التذرع بأنه جاءنا من دساتير سابقة، وأنه نابع من إرادة الأغلبية والتي بدورها غرر بها عبر وسائل التأثير الرسمية والموازية فاختلط عندها الديني بالسياسي والزمني بالأبدي، لكن العبرة بالمدلول والنتائج والآثار المترتبة عليه والمتولدة منه خاصة عندما يحتويه الدستور الذي هو قانون القوانين، فالدولة في جانب منها مجموعة المؤسسات الفاعلة في نطاق جغرافي محدد تتوزع بين الحكام والمحكومين فهل يمكن صبغ هذه المؤسسات بدين معين، وهل من السائغ في حالتنا هذه أن نقول مثلاً وزارة الخارجية الإسلامية أو غيرها من الوزارات، وبالمثل عن المؤسسات التشريعية أو القضائية!! .
وإذا انصرف التفسير إلى أن الدولة في جانب أخر هي جموع المواطنين المنتسبين إلى ذات الرقعة الجغرافية، فهل يجوز إضفاء الصفة الإسلامية على كل الوطن بما فيه من ديانات أخرى، وإذا صح هذا فيكون المتدينين بغير الإسلام على غير دين الدولة الرسمي فلا يحق لهم حقوق عليها ولا يلتزمون بواجبات تجاهها، ويصبحون بهذا جالية تستضيفها الدولة، أو نشئ من التفاؤل " مواطنون من الدرجة الثانية " ولعل الرئيس الراحل أنور السادات لم يكن بعيداً عن هذا المعنى عندما أعلن في خطابه الأخير قبيل اغتياله « أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة يقطنها أقباط " !! ، وفى ملاحظة ثالثة إذا كان للدولة دين رسمي فهل الأديان الأخرى تعد أديانا عرفية!!
هل أنا بحاجة لتأكيد أنني لا أتناول الإسلام كدين له إحترامه وقدسيته ويؤمن به أكثر من 85% من المصريين، أعود لأقرر أنني أقرأ واقعنا من زاوية المواطنة التي تتجاوز الإنتماءات الدينية والتي لا تعنى بالبحث في مقارنة الأديان، وإنما تسعى لوطن أكثر أمنا ومواطن يحق له أن يمارس حريته وكرامته ومستقبله، ولا شك أن " المواطنة " الفكرة والممارسة واقعة في مأزق مزدوج بين الفكر الشعبي والمجتمعي السائد وبين نصوص دستورية تحتاج إلى مراجعة عقلية بعيدة عن إثارة النوازع العاطفية ونظرية المؤامرة.
ولعل السؤال لماذا يقاوم الإخوان الدعوة لقيام المجتمع المدني ويثيرون حوله الزوابع ويختلقون ضده ما ليس فيه، إنهم المستفيدون من بقاء الحال على ما هو عليه، ومن ثم يسعون ومعهم التيارات المتطرفة إلى تشديد قبضتهم على مصائر وحياة البشر، ويتبنون الكراهية وسيلة لشق المجتمع، وفى تجاربهم غير القليلة ـ في أكثر من دولة ـ التي قدر لهم فيها أن تصير مقاليد الحكم بكاملها في أيديهم جروا مجتمعاتهم إلى مهاوى التخلف والحروب، يساندهم من وجدوا في الفساد ملجأ ومرتعاً ومن عجب أن تجد تضامناً بين الفريقين رغم تضاد البرامج المعلنة والأمثلة كثيرة، والمثل القريب ما أعلنه ونفذه أبو مصعب الزرقاوى في العراق من شنه حملة تصفية وابادة وحرب على المسلمين الشيعة ليشوه سعى الشعب العراقي للحرية والتحرر ويجسم كل المخاوف من وصول تياراته إلى السلطة، فإذا كان هذا شأن العلاقة بين تيارين إسلاميين فماذا عن العلاقة مع غير المسلمين ؟! .
ربما لهذا صارت الدعوة ملحة وواجبة على كل منتم لهذا الوطن ـ في مواجهة الساعين لجرنا إلى مجتمع طائفي ـ إلى إقامة المجتمع المدني الذي يعلى من قيمة الإنسان لكونه إنساناً، ويجعل من الوطن المصدر الوحيد للحقوق والمصب للواجبات، ففيه يمارس المرء حقه في اختيار عقيدته وتخف حدة الفرز والتمييز والتجنيب، وتسقط بالتبعية إشكاليات كثيرة افرزها مجتمع الطائفية الذي لا يعرف غير الكراهية منهجاً ووسيلة.
فما الذي يوفره المجتمع المدني لمواطنيه ؟! :
تسقط فيه كل مزاعم التمايز العرقي والديني، وبالتالي تسقط تبعاً لها كل أسباب التوتر والكراهية.
تحفز الهمم باتجاه مواجهة المشاكل الآنية والمستقبلية الحقيقية فيبدأ مشوار تحليلها والسعي لحلها.
الإندماج في عالم متقدم تخلص قبل أكثر من قرن من قيود التعصب العرقي والديني وانطلق إلى آفاق التنمية البشرية والإنسانية، ويرفض التعامل والتعاون مع الأنظمة الإستبدادية والمنغلقة.
إطلاق الطاقات المعطلة والمهمشة بسبب اختلاف الدين أو العقيدة، لتكون أدوات بناء وطن يحق له أن يكون عظيماً.
كسر حاجز الخوف المكبل للإبداع الإنساني فتترسخ معاني الخير والحب والحرية وفق ثوابت العدالة والمساواة.
تترجم على أرض الواقع مبادئ حرية العقيدة والإعتقاد والتي لا مكان لها في المجتمعات الطائفية أو الإستبدادية.
يبقى أنه مشوار طويل وشاق لكنه لا يخرج عن قانون أي مشوار في أنه يبدأ بخطوة، وهى بدورها تحتاج إلى شجاعة المواجهة وتكاتف كل الداعين للمجتمع المدني، شريطة أن يكونوا على استعداد لتحمل التبعات ودفع ثمن التغيير.
على أنه تبقى أيضاً الحاجة ملحة للتأكيد على أننا نتحاور في المساحة السياسية ولا نقرب من المقدس الديني لأنه أسمى من أن نوظفه في أمور تحتمل الإختلاف، فكيف يخضع الثابت للمتغير ؟!.

kamalzakher@maktoob.com

الأربعاء، سبتمبر ١٤، ٢٠٠٥

الصخرة الأوثوذكسية ورياح التغيير - كمال غبريال

أم الشهـداء جميلــــة أم الشرفــاء نبيلــــة
عبرت بحـر الآلامـــات حفظت بدماها الحق قويمـا

هي كنيسة مصر الأرثوذكسية، القلعة المصرية العتيقة، التي جسدت الهوية المصرية في مواجهة الإمبراطورية الرومانية، ثم رافقها الأزهر الشريف، ليقفا سوياً في وجه جحافل الغزاة التي توافدت على أرض مصر من كل حدب وصوب، لتظل مصر أرض الحضارة، أقوى من الزمن وصروفه.
هي بهذا أكبر من أن تكون مجرد مؤسسة دينية تخص أقلية من المصريين هم الأقباط، كانت كذلك دائماً، وعلى مدى عصور عمرها المديد، وهي بالأكثر اليوم، بعد ما حدث بالمجتمع من تغيرات، تعاظم خلالها الدور الاجتماعي والثقافي للمؤسسات الدينية المصرية، والتي امتد نشاطها ليغطي مناطق، تقع بكاملها في الدائرة الوطنية، وتستحق بل ويجب أن تكون محور اهتمام جميع المعنيين بشئون الوطن.
• في حضن الكنيسة تتربي الأجيال التي تمارس الحياة العامة على هدي خطاب الكنيسة، متأثرة بنظمها وطبيعة العلاقات السائدة فيها.
• وفق خطاب الكنيسة تتشكل عقول ملايين من المصريين، ترى الحياة وتتعامل مع العالم من منظورها، سواء الأقباط الذين تلقوا تلك التعاليم من الكنيسة مباشرة، أو باقي أخوة الوطن، الذين ينتقل إليهم ذلك التأثير بطريق غير مباشر، من خلال التعامل اليومي، والتأثير في المناخ الثقافي العام.
• تستقطب الكنيسة اهتمام جماهيرها ووقتهم، وهي ثروة وطنية يمكن تعظيم الاستفادة منها، ويمكن إهدارها كباقي ثروات مصر المهدرة.
كل هذا قديم ليس فيه جديد في الحقيقة، لكن الجديد والملح في هذه الحقبة الخطيرة التي تجتازها مصر والمنطقة، هي الدور السياسي الذي اضطرت الكنيسة لأدائه تمثيلاً للأقباط خلال الخمسين عاماً الماضية، في غياب ومحاصرة التنظيمات والتجمعات الشعبية، سواء السياسية أم غيرها.
الدور السياسي المتصاعد الذي تلعبه قيادة الكنيسة هو الذي لفت الانتباه في عدة مواقف، ربما بداية من صراع البابا شنودة والسادات، والذي انتهى بنفي الأول واغتيال الثاني، مروراً بتصريحات البابا السياسية في كل المناسبات وبدون مناسبات، وتدخله بعكس الاتجاه المعلن للدولة في قضية التطبيع مع إسرائيل، واستخدامه لعقوبات كنسية عقيدية صرفة، للتحكم في تحركات الأقباط، التي يكفلها لهم الدستور، وتتيحها لهم أجهزة الدولة المعنية، ثم أخيراً وليس الآخر، ما أقدم عليه البابا من مبايعة للرئيس حسني مبارك في انتخابات الرئاسة التي تجري على أرض مصر لأول مرة في تاريخها، بما يهدد بإجهاض احتمالات نجاح التجربة الديموقراطية الوليدة، والتي أطلق شرارتها حسني مبارك نفسه!!
هذا الدور السياسي ليس هو كل الأمر فيما يتعلق بالكنيسة، بل هو الجزء اللافت للانتباه، أو الجزء الظاهر من جبل الجليد كما يقولون، فالأخطر هو نوعية الإنسان الذي يتربى في أحضان خطاب الكنيسة ونظمها، ومدى توافقه مع المواصفات المنشودة في جيل نسعى لانفتاحه على العالم، في أجواء منافسة شرسة وسوق مفتوح، لا يعرف رحمة بالضعفاء وعديمي الكفاءة، هل تنتج لنا إنساناً يقدس الحرية والاستقلالية ويؤمن بالعلم، أم تنتج للوطن كائنات ضعيفة مستضعفة، تستأنس العبودية والطاعة والخنوع للسادة الرعاة الكثيرين؟!
ترددت طويلاً قبل أن أقرر طرق هذا الباب الذي قد تأتي علي منه عظيم الرياح، وذلك لأسباب عديدة:
• عدم تعود الأقباط (شأنهم شأن كل أبناء الشرق) على المراجعة والنقد، خاصة فيما يتعلق بالخطاب أو التقاليد والعلاقات الدينية.
• حساسية الأقباط من مناقشة أمورهم في العلن، وقد علمتهم الأيام أن السلامة في التواري عن الأنظار، وتحاشي لفت الانتباه، الذي قد يجر عليهم ما لا يحبون.
• حالة الاسترخاء والرضى واليقين بين الشعب القبطي، بأنه كنسياً ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن، تجعل نظرة الناس إلى الصوت المخالف أنه ليس أكثر من ابن ضال، حرضه عدو الخير إبليس، حتى يعكر علينا الهناء والسلام، وصلوات الكنيسة جاهزة لطلب الهداية أو الفناء لهؤلاء، بعد وصمهم بأنهم أعداء بيعتك يارب (مثل كل زمان والآن، حل تعاظمهم، وعرفهم ضعفهم سريعاً، اجعلهم كلهم كلا شيء، بدد مشورتهم يا الله)، هذه النظرة تجعل الآذان والعقول مغلقة تماماً أمام كل صوت جديد، وكل محاولة لضخ دماء جديدة في عروق الصخرة الأرثوذكسية العتيقة.
• ما تتعرض له الكنيسة من ضغوط خارجية، وتتركز بالأساس في خطاب وممارسات جماعات التطرف الأصولي، يجعل ابن الكنيسة، وكذا المراقب المحايد، يلتزم اللياقة ويبتلع كلماته قبل ريقه، كي لا يضيف إلى الكنيسة أعباء فوق أعبائها، انتظاراً لتوقيت مناسب، عادة لا يأتي أبداً، على نمط شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، والمعارك لا تنتهي، لتظل دعوات الإصلاح ومحاولاته حبيسة الصدور أو الزنازين!!
كانت تلك العوامل كافية بالنسبة لي على الأقل، لأتجنب الخوض فيما أعتبره ملحُّ وخطير، لأكتفي باهتمامي الأساسي، الوطني والإنساني، متعللاً بأن التغيير سيتسرب حتماً وتلقائياً للكنيسة، مع التغيير في مصر والشرق بكامله، فالأقباط ليسوا كياناً خاصاً متقوقعاً في جيتو، بل هم موزعون كخيوط النسيج عبر الجسد المصري، وتسري عليهم ذات القوانين والتبدلات التي تعتري الثوب كله.
لكن هذا التعليل صحيح بدرجة جزئية ومحدودة، نتيجة خاصية التحوصل التي فرضتها على الكنيسة عصور الاضطهاد الطويلة، بما يعني أن الكنيسة ستكون المكون المصري الأقل تأثراً واستجابة لرياح التغيير وفعلها، بما يؤدي لأن تكون عبئاً أو عامل مقاومة للتغيير والإصلاح، في ذات الوقت المأمول منها أن تكون عامل أو قاطرة للتقدم لأبنائها وللمجتمع المصري ككل!!
كان هناك أيضاً أن المحبين لمصر والمصريين، سواء كانوا من مفكري الأقباط، أم من رفقاء الدرب والوطن، رموز الاستنارة من المسلمين، هؤلاء لا يجب أن يتقاعسوا عن مراجعة خطاب كنيسة مصر الأرثوذكسية، كركن من أركان الهوية المصرية، ليس في المسائل الدينية اللاهوتية البحتة، والتي هي أمر خاص في كل دين، وإنما فيما يؤثر ويحدد طبيعة العلاقات داخل دائرة المجتمع المصري ككل، وفيما ينعكس على أداء المواطن القبطي، ضمن منظومة علاقات المجتمع المتنوعة.
لكن الأهم في حيثيات قرار تناول خطاب كنيسة مصر الأرثوذكسية ونظمها، هو أن نظرة متأملة للعناصر التي أوردتها كمسببات أو مبررات للإحجام عن التناول، هذه العناصر هي نفسها أهم أعراض الداء الذي ينبغي على كل مخلص للكنيسة والوطن، البحث عن دواء له!!
فعدم تعود أبناء الكنيسة على النقد الذاتي، ناجم عن ذات النقص أو الداء اللعين، المتفشي في جميع مناحي حياتنا، وهو غياب آلية المراجعة والتصحيح، بما يكفل تدارك الأخطاء، والتطوير المستمر، وأظننا نعرف جميعاً أن الفارق الأساسي بين النظم الاشتراكية والشيوعية المنقرضة، وبين النظم الرأسمالية المنتصرة، كان هو افتقاد والأولى وامتلاك الأخيرة لآلية المراجعة والتصحيح المستمر، وعلينا كمصريين إذا أردنا ألا تتجاوزنا الحياة، وألا يفوتنا قطار الحضارة إلى الأبد، أن نزود أنفسنا ونظمنا باختلاف مجالاتها بآليات النقد والمراجعة المستمرة.
مثلها داء التستر والتكتم، أو ما نسميه "عدم نشر غسيلنا القذر على الملأ"، وعكسه الشفافية والمصارحة، بصفتها الوسيلة الوحيدة لكي يدخل نور الشمس إلى كل بقعة في حياتنا، واستبدال قيمة التستر بقيمة الشجاعة الأدبية في مواجهة الأخطاء والعيوب، لتشجيع أبناءنا على رفض الصمت خشية الفضيحة، حتى صارت الخطايا جزءاً أساسياً من مكونات حياتنا، وقد تأقلمنا على التعايش معها، بل المكاشفة والمجاهرة بالأخطاء، فلسنا ملائكة حتى لو ادعينا ذلك، وما دمنا بشر فإن الخطأ وارد، والتصحيح واجب!!

أول الخيط
من العجيب أن نجد أن نقطة القوة في بنيان الكنيسة الأرثوذكسية، هي ذاتها بؤرة الضعف التي نتج عنها ما نتصوره الخلل الرئيسي في بنيانها الفكري والتنظيمي، فالشطر الأخير من الترنيمة التي استهللنا بها تلك السطور يقول: حفظت بدماها الحق قويماً، وهذه العبارة هي فعلاً مفتاح شخصية الكنيسة المصرية، وكلمة أرثوذكسي تعني الرأي المستقيم، فأعظم خدمة قدمتها كنيسة الإسكندرية للمسيحية، هي أنها استطاعت الحفاظ على الإيمان المستقيم، ولولا دماء أبنائها، وبطولة بطاركتها العظام، وأشهرهم أثناسيوس الرسولي، ما استطاعت الكنسية العبور بالإيمان النقي خلال العشرين قرناً المنصرمة، ولكي تحقق الكنيسة رسالتها، كان لابد أن تتصف بصفة أساسية، هي التشبث بالأفكار والعقائد الأولى، التي أرساها تلاميذ المسيح والآباء الأوائل، ورفض أي تعديلات أو تخريجات، وهو ما اصطلحت الكنيسة على تسميته بالبدع، التي أصبحت في خطاب الكنيسة كلمة بغيضة، لما ارتبط بها من شطحات كانت بالفعل تهديداً للإيمان القويم.
لكن هذا كان يعني بالمقابل ثلاثة أمور في غاية الخطورة:
• الحجر التام على الأفكار، وغلق جميع المنافذ للتجديد والتطوير والمراجعة.
• الرأي الواحد وديكتاتورية النظام الكنسي، فما دامت الحقيقة ثابتة وواحدة، والقائد الأكبر هو الأمين عليها، فإن على جميع الأفواه أن تخرس، وعلى المؤمنين الطيبين أن يلتزموا بالطاعة لكي تحل عليهم البركة.
• التكتم وانعدام الشفافية أو المصارحة، فالكبار وحدهم هم الذين يعرفون كل الأسرار (السمائية والأرضية) وهم الذين يتدبرون أمور الكنيسة بحكمة من الروح القدس.

شجرة الطاعة
لا بأس بكل هذا، لو اقتصر الأمر على المسائل العقائدية الدينية، لكن المشكلة على الأقل كما نراها في صورتها المعاصرة، أن الملايين من الأقباط يتشكل تفكيرها ونظرتها للحياة، وتتحدد نماذج علاقاتها، في رحم الأم الكنيسة، التي تتسلم الطفل قبل أن يتقن نطق الكلمات، لتصب في أذنه، أو تضخ في رأسه أناشيد الطاعة والخضوع، وعلى أبناء الطاعة تحل البركة، ويتعلم كيف يقبل يد "أبونا"، ويلتمس البركة من يده المقدسة، يعامل الطفل كمشروع لكائن ذليل، كأن الذل والاستضعاف من علامات التقوى، وعندما يصل المرحلة الابتدائية يحفظ حكاية شجرة الطاعة، وخلاصتها أن راهباً قديساً يدعى الأنبا "بموا" جاء إليه شخص ليتتلمذ على يديه اسمه "يوحنا القصير"، وقد رأى الأنبا "بموا" أن الطاعة هي أهم ما يعلمه لتلميذه، وأن أفضل طريقه لذلك هي أن يأمره بأخذ عكازه وزراعته على بعد عدة كيلومترات في الصحراء بعيداً عن مكان إقامتهما، وأن يذهب يومياً إليه حاملاً جرة من الماء ليرويه، وتقول القصة أن بعد عدة سنوات من التعب المضني أورقت العصا وصارت شجرة، وسميت شجرة الطاعة، والجدير بالتنويه أن هذه القصة لا تروى على أساس أنها مجرد قصة خيالية، بل يقول تاريخ الكنيسة أنها حقيقية، وعندما تذهب إلى أديرة وادي النطرون، ستجد من يدلك على جذع شجرة جاف، ويقول لك هذه بقايا شجرة الطاعة!!
هذه القصة ليست مجرد نموذج اخترناه تعسفياً من خطاب الكنيسة الأرثوذكسية، لندلل على رأي ما، لكنها نموذج معبر عن مجمل خطاب الكنيسة، والذي يترسخ في وعي ولا وعي القبطي ليصوغ شخصيته ونظرته للحياة، ونستطيع أن نرصد المعالم التالية لما ينتج عن مثل هذه التعاليم في ذهن الإنسان:
• الطاعة الصماء البكماء العمياء للمعلم أو القائد.
• إطفاء نور العقل أو استئصاله من جذوره، وعدم التفكير في المعقول وغير المعقول، إذ يكفي عقل المعلم أو القائد، فهو بالتأكيد يعلم الحكمة من أوامره، وليس من وظيفتي ولا يتفق مع إمكانياتي أن أبحث بنفسي عن الحكمة المخفية في أوامر القائد، حتى ولو كانت في مثل شذوذ أوامر الأنبا "بموا".
• زرع الإيمان بالخرافة واحتقار العلم، فالعكاز الجاف قد صار شجرة وارفة، ليس بناء على حقائق علمية، ولكن بفضل بركة الأنبا "بموا"، وبفضل الطاعة، التي هي القيمة العليا في الحياة، وهي ضمان النجاح والفلاح!!

التراكم العشوائي
العمود الفقري لنظام الكنيسة هو نظرية "التسليم والتسلم"، فلأن المهمة المقدسة للكنيسة هي الحفاظ على إيمان الآباء المستقيم، فإن آلية الفكر والممارسة تقوم على تسليم الجيل الأكبر للأجيال التالية نص ميراث الأجداد، دون حذف أو إضافة أو تعديل، سواء بالنسبة للعقائد أو الطقوس، أو الأعراف والتقاليد، هي حزمة مقدسة تسلم من يد إلى يد لتعبر الأجيال والعصور، كاملة غير منقوصة ولا مزيدة ولا محرفة.
هذا هو المفروض نظرياً، وما قلنا أنه قد ترتب عليه استئصال الإبداع وغياب المراجعة والفرز، لكن الواقع أمر آخر، فالإضافات مستمرة عبر الأجيال، بشرط أن تتم بهدوء وبلا استفزاز لأحد، وعلى الأخص أحد الكبار العارفين بكل حقائق الإيمان، وهذا بلا شك أمر جيد، لأنه يعتبر بمثابة المسام التي يدخل منها الهواء المتجدد للصخرة الأرثوذكسية المصمته، لكن المشكلة أن هذا يجري في غياب لآلية الفرز والمراجعة، المجرَّمة في فلسفة الكنيسة، بل والمفتقدة أصلاً في ذهن الأجيال التي تربت في حضنها، لتكون النتيجة تسرب حقائق ممزوجة بالخرافات، لتكون ركاماً غير متناسق، يساهم في تغييب العقل القبطي، المطلوب أن يظل مخدراً وفي حالة بيات شتوي دائم، حتى يمكن تمرير كل هذا الركام دون اعتراض أو حتى تململ.
يحضرني هنا موقف من أيام الشباب، حين كنت أمضي بعض أيام الإجازة الصيفية في أحد الأديرة القريبة من مدينتي، وفيما أنا جالس بالمطبخ أنقي الفول من الحصى لتدميسه، مع راهب كان يطبع كتب عن معجزات البابا كيرلس، بادرني بالقول أنه نشر إعلاناً ليرسل إليه كل من حدثت معه معجزة للبابا كيرلس، لينشرها في كتابه القادم، فقلت له ببساطة وتلقائية: وكيف تفرز القصص الحقيقية من الملفقة؟ وكانت الإجابة المذهلة، التي لم أنسها بعد أربعة عقود، قائلاً: أنا بأنشر على طول، فما كان مني إلا أن نفضت يدي من تنقية الفول من الحصى، وقلت له وأنا لن أنقي الفول، فالسيد الراهب الناشر حريص على أكل الفول المدمس خالي من الحصى، لكنه لا يهتم بتنقية الغذاء الفكري للآلاف وربما الملايين، مما قد يتسرب لهم من خرافات وأكاذيب، يجدر التنويه بأنني رصدت بعد ذلك بسنوات أكثر من خمسة عشر كتاباً عن معجزات البابا كيرلس، رغم أن معجزات السيد المسيح تشغل عدة صفحات!!
نكرر أن غياب آلية الفرز والمراجعة في فكر الكنيسة أدى إلى خلود أكوام من الخرافات في تراثها، دون أن يفكر أو يجرؤ أحد على مراجعتها وتنقيتها، وليس هنا مجال التحقيق العلمي الشامل، لكن على سبيل المثال كتاب تاريخ الكنيسة "السنكسار"، الذي يسجل الأحداث الهامة بالكنيسة عبر العصور، يذكر في أحد الأيام حادثة كسوف للشمس، على أنها غضب من الله على خطايا البشر، وأن الله قد أعاد نور الشمس مانحاً عبيده فرصة للتوبة، والآن الكنيسة وكل كهنتها وأساقفتها علماء يحملون أعلى الدرجات العلمية، ما الذي يمنعها من مراجعة مثل هذه الصفحات وتصحيحها أو حذفها، هل لأننا مازلنا نعتقد أن الكسوف إنذار من الله على خطايانا، أم هو غياب آلية المراجعة والتصحيح، أم هو غياب العقل أو ضموره من الأساس؟!!
لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهن غير المضطلعين أننا نتصيد هفوات استثنائية، فالكتب الكنسية فعلاً مليئة بالأعاجيب التي تستعصي على الحصر، وتقود إلى نفس النتيجة التي خلصنا إليها، فهناك صلاة للمسافرين تدعو لهم بالسلامة، وتعدد وسائل السفر: بالبر والبحار والأنهار والينابيع، ولا يفكر قبطي واحد كيف يمكن أن يسافر أحد بالينابيع، ونحن في عصر مكوك الفضاء، وسوف أتوقف عن ذكر المزيد لأن الله حليم ستار!!
هنا نسأل سؤالاً بسيطاً، هل القبطي التقي الذي يتربى في أحضان الكنيسة ويتشبع بخطابها، هل هو بعد ذلك سيكون قادراً على التمييز بين الأفكار المتضاربة في الحياة، سياسية كانت أم اجتماعية، وهل سيخطر على باله أصلاً أن يقوم بعملية فرز، أم أنه سيلجأ كما هو حادث الآن إلى الآباء الكهنة وقداسة البابا ليستفتيهم في كل صغيرة وكبيرة، فهذه هي مهمتهم، وكل ما عليه أن يجيد ابتلاع ما يقدمون له؟!

ازدهار العقلية الخرافية
من منطلق ذات نهج هذا الاستعراض لنتائج خطاب الكنيسة، المتمثل في بحث مواصفات وصفات القبطي المتشبع بتعاليم الكنيسة، وليس بحث الصحة العقائدية لهذا الخطاب، نأتي إلى الاعتقاد في "شفاعة القديسين"، وهو الاعتقاد الذي تؤيده نصوص الكتاب المقدس، لكن المشكلة في إساءة استخدامه من قبل الكنيسة، تحت سمع وبصر رعاتها، وفي معظم الأحيان بمبادرة أو تشجيع منهم، لتكون النتيجة ازدهار العقلية الخرافية، فنسمع عن عمليات جراحية أجراها القديسون قبيل ذهاب المريض إلى المستشفي لإجرائها، وهذا قبر قديس حفنة من ترابه، إذا ما أذيبت في الماء، فإنها تشفي الأمراض، ويوزع هذا التراب على زوار ذلك الدير، دون أي إحساس بالذنب أو تأنيب الضمير، عند من يفعل ذلك في السذج من المؤمنين، والذين أصبح كثير منهم يحمل شهادات الدكتوراه!!
قديس آخر شاله إذا ما وضع على مريض يبرأ، أو على صاحب أمنية تتحقق أمنيته، والأيقونات في الكنائس والبيوت تنضح بالزيت المقدس، وأخري تتحرك، ومياه في ماجور بكنيسة في دلتا مصر، مازالت كما هي لم تنقص منذ أن استخدمتها السيدة العذراء أيام زيارتها لمصر، وكان من الطبيعي أن تجمع تلك الكنيسة ألوفاً مؤلفة من أموال المؤمنين الفقراء، ليهرب بها الأسقف إلى بلاد لا تركب الأفيال، ومع ذلك فالنقود المسروقة لا تعنينا رغم ضخامتها، فالذي يعنينا هو تدمير العقل المصري، تحت سمع وبصر ومباركة سادتي الآباء الكهنة والأساقفة، فيما قداسة البابا المعظم مشغول بعودة القدس لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية، كأن مجهودات السيد عمرو موسى وحماس والجهاد غير كافية لتحقيق المراد!!

سلبية وبلادة وطغيان
يتدرب القبطي في الكنيسة على المواظبة على حضور الطقوس الكثيرة الطويلة، المورثة لنا من عصور الزراعة والفراغ، وليست تلك المشكلة، إنما في أن المؤمن يتدرب أن يقف بالساعات الطوال والكاهن يصلي نيابة عنه، وحتى المقاطع في الصلوات المفروض أن يؤديها بنفسه، هناك من يقوم بذلك نيابة عنه، وهو كورس المرتلين وقائدهم (المعلم)، وكل ما على المؤمن التقي فعله، هو أن يقوم ويجلس مع الكورس، ويردد بين الحين والآخر "آمين"، ونظرياً على المؤمن خلال تلك الصلوات الطويلة أن يتأمل في رحمة الله ومحبته، وأن يحاول أن يتابع الصلوات مستعيناً بكتاب، ويفعل البعض هذا فعلاً ، لكن الأغلبية تتدرب على قول "آمين"، وعلى عدم الإحساس بالوقت، هو تدريب ناجح بامتياز، على البلادة والانقياد، وترديد "آمين"، وهي الكلمة الأكثر طلباً في جميع مؤسساتنا، بداية من المنزل حتى مجلس الوزراء!!
والانقياد الذي يتلقنه القبطي في الكنيسة ليس فقط للأحياء من الكهنة والأساقفة، لكن أيضاً للقديسين الذين رحلوا عن عالمنا، فهو يستشيرهم في الهام من أموره، وقد يتحدث إليهم مباشرة أمام أيقوناتهم الخاصة، أو يرسل لهم خطاب يدسه من زجاج الصناديق التي تحوي رفاتهم، والتي يوجد عدد منها في كل كنيسة الآن، وهذه الظاهرة انتشرت في الربع قرن الأخير، وهي الفترة المسجل عنها الردة والتدهور الحضاري في الفكر المصري بصفة عامة.
نعيد التأكيد أننا لا نعرض الأمر لنقرر صحته من الوجهة الدينية، فهذا الأمر متروك للقادرين عليه والمهتمين به، لكننا نتحدث من وجهة نظر علمانية محضة، عن تأثير تلك الأفكار والممارسات على أداء المواطن القبطي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي، في عصر العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات، ولكي أكون واضحاً، أنا لا أحاول التشكيك في سلامة وصحة العقيدة القبطية الأرثوذكسية، لأنها عقيدتي وعقيدة أهلي، لكن هذا لا يمنع بل يدفع لمراجعة تأثير كل ذلك على عقل وأداء الإنسان المصري، المتعثر على عتبة التاريخ، والمهدد بالاستبعاد من ركب الإنسانية إلى الأبد!!
من الطبيعي وفق ما تقدم، من حرص الكنيسة على "التسليم والتسلم"، وما ترتب عليه من استبعاد الإبداع والمراجعة، أن تكتمل المنظومة شديدة المحافظة تلك بالطغيان، فالشعب قسمان، رعاة ورعية، والرعاة ينبغي أن يتقنوا دور الراعي، وهذا جيد وجميل، لكن الرعية عليهم أيضاً أن يتقنوا دور الخراف المهذبة، التي تتوجه تلقائياً إلى حيث تشير عصا الراعي، ولغير المسيحيين أوضح أن الكلمتين راعي وخراف ليستا من عندي، إنما هما مستخدمتان وبإفراط في خطاب الكنيسة، بما يرسخ في ذهن القبطي فعلاً روح القطيع، وروح الانصياع لتعليمات الراعي، حتى لا يكون كالابن الضال، وقد تكون العلاقة بهذا الشكل هي الصحيحة دينياً، لكن ماذا عن تأثيرها على مجمل حياة الإنسان؟!!
أدت فلسفة الكنيسة ورؤيتها لدورها في الحفاظ على العقيدة أيضاً، إلى أن تصور الرعاة لدورهم أنهم في خدمة العقيدة، وليسوا في خدمة الرعية، ورغم أن السيد المسيح كان في خدمة الناس العاديين، خطاة وأبرار، ورغم أنه لم يكتب عقيدة ولم يملي على أحد وصايا، بل كان كما يقول الإنجيل "يجول يصنع خيراً"، والخير بالطبع هو خير للناس، إلا أن الرعاة الأرثوذكس معنيون بخدمة العقيدة، التي صكها الآباء الأوائل، ولا يعنيهم تخفيف معاناة الإنسان القبطي مع قوانين الزواج والطلاق الأرثوذكسية، وغير معنيين بالتأثيرات الاجتماعية المدمرة، بل وما تسببه في أحيان كثيرة من حالات تحول عن الدين، تضع البلاد على شفا فتنة طائفية!!
كم أحزنني كإنسان أولاً وكقبطي ثانياً، وأنا أشاهد برنامج تليفزيوني عن زواج الأقباط، ونيافة الأسقف وقد حاصرته المذيعة الجميلة اللامعة، ونصبت له فخاً وقع فيه، معلناً أن العقيدة تفرض هذه القوانين، لتجاوبه المذيعة بابتسامة دهشة واستهجان: والناس، ماذا يفعلون؟!!
هذه هي رؤية رعاة الأرثوذكسية لدورهم، وهم أكثر الناس حديثاً عن المحبة، التي من الواضح أنها محبة نظرية لتدبيج العظات وتأليف الكتب، أما عند الممارسة العملية، فإنهم يتجهون لما يرونه دورهم في الحفاظ على العقيدة وليس الحفاظ على المؤمنين، رغم أنهم يعرفون أن الكتاب يقول: "أريد رحمة لا ذبيحة"!!
أرجو أن يكون من الواضح أننا لا نتحدث عن أشخاص نوجه إليهم الاتهام، فلو كان الأمر كذلك لكان علاجه بسيطاً وفي متناول اليد، لكن المشكلة في النظام، في فلسفة الكنيسة وتقاليدها الممتدة عبر العصور، تلك الفلسفة التي أعانتها على مهمتها المقدسة في حفظ الإيمان القويم، لكنها في المقابل أدت إلى ما نستعرض بعضاً منه.
خطاب الكنيسة والعظات التي لا يملون من تكرارها، وقلبها على كل وجه، تحريض سافر وغير منطقي على السلبية، وعلى الوقوف من العالم موقف المتفرج، مستخدمين بعض الآيات استخداماً شائهاً، بعد اقتطاعها من سياقها، مثل: "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم"، "ليس لنا هنا مدينة باقية، لكننا ننتظر العتيدة"، "الرب يحارب عنكم وأنتم تصمتون"، "لو كنتم من العالم لكان العالم يقبلكم، لكنكم لستم من العالم"، "ملقين كل همكم عليه، لأنه هو يعتني بكم"، "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم".
كل هذه الآيات يمكن فهمها بطريقة مختلفة غير التي تقدم بها في خطاب الكنيسة، فقط لو كان لدينا الوعي بما يحتاج إليه الإنسان في عصرنا الراهن، أيضاً لو قرأنا كتابنا المقدس بطريقة مختلفة تكشف لنا عما نتجنبه من آيات تدفعنا لتعمير العالم، ولجعله مكاناً أفضل لنا ولأولادنا!!
لحسن الحظ فإن خطاب الكنيسة في هذا المجال لا يحدث تأثيراُ كاملاً، لأن اهتمام الناس بتدبير معيشتهم يتغلب على أناشيد الزهد والسلبية التي تصب في آذانهم خلال ساعات الصلوات والعظات التي لا نهاية لها، ومع ذلك من السذاجة تصور انعدام تأثيرها، فهناك فرق بين أن يكون الفكر عامل دفع للأمام، وبين أن يكون فرملة لاندفاع الإنسان لتحقيق ذاته، كما أن الموقف السلبي من الحياة يتبدى في مساهمة القبطي في الحياة العامة، السياسية والاجتماعية، وفي مساهمته المادية في إنشاء المدارس والمستشفيات مثلاً، بدلاً من السير على ذات نهج أجدادنا الأوائل الذين لم يخلفوا لنا غير المعابد والمقابر.
من الممكن أن يكون الإنسان سلبياً تجاه الحياة، وهو يعرف أنه مخطئ، وربما يعدل عن موقفه إذا ما أتيحت له الظروف المناسبة، لكن السلبية التي يتربى الإنسان عليها في الكنيسة ترتدي ثوب القداسة، ومدعمة بالنصوص بذات الطريقة التي تسيء القراءة والتفسير، وبالتالي يكون الحض على الإيجابية مؤثماُ، باعتباره بمثابة إلهاء النظر عن الحياة الباقية السمائية!!

الشفافية المفتقدة
هي أيضاً كما سبق وأوضحنا، من لزوم ما يلزم للمنظومة الأرثوذكسية، فالتكتم جنة المحافظة والجمود والطغيان، ففيه تستتر أخطاء الكبار، ويتم التعتيم على أسباب الحرمان والقطع من الكنيسة، وتكون حسابات أموال الكنيسة بمنأى عن الرقابة المالية الحقيقية والجادة، ويكون الحديث عن الأخطاء، جريمة وخطية على مرتكبها أن يستغفر، وكعادة رجال الدين دائماً، يسهل استدعاء الآيات لتوظيفها لأغراض أبعد ما تكون عن معناها وغرضها الطبيعي، لكن من يتجاسر أو حتى يفكر في الصياح أو التمرد، وسيف الحرمان مسلط على الرؤوس، والقطيع مدرب جيداً على تقبل كل شيء، والأصح أنه غير مؤهل أصلاً لعملية النقد والفرز والمراجعة، لقد تم استئصال كل هذه الملكات الخبيثة من رأسه، ليصير رأساً مقدساً، مثل رأس "يوحنا القصير"، الذي سقى عصا معلمة حتى أورقت.
أثناء زيارته لأقباط سويسرا، سألوه هناك عما تكتبه بعض المجلات، عن سرقة أقاربه لأموال الكنيسة، فأجابهم: لماذا تقرأون مجلات وحشة؟! لن أقول لكم من الذي سألوه، تأدباً!!
المؤمن التقي الذي تأقلم مع التكتم في كنيسته، المفترض أنها بالنسبة له المدينة الفاضلة، هل نتوقع منه أن يناضل سياسياً من أجل الشفافية على المستوى الوطني؟!
هل نتوقع منه أن يرفض التعايش مع الفساد أو التغاضي عنه، ثم إذا كانت هذه هي قواعد اللعبة التي يعرفها الجميع، هل نتوقع بعد ذلك أن يكون الفساد المالي والإداري مجرماً اجتماعياً، أم أن الطبيعي أن يكون الأمر مستساغاً، رغم أناشيد الطهارة والأمانة التي نتقن عزفها في المناسبات!!
التغيير يا سادتي يبدأ من هنا، فالتخلف الذي نرزح تحت نيره صناعة محلية، نصنعها في البيوت والمعابد والمدارس، كما تصنعها لنا وسائل إعلامنا الموقرة.
لا تغيير حقيقي يبدأ من قمة الهرم، ولن يزول الطغاة قبل اختفاء صنف العبيد، فلنكف عن صناعة العبيد، ليرحل الطغاة طوعاً!!

kamghobrial@yahoo.com

الخميس، سبتمبر ٠٨، ٢٠٠٥

مبروك لمبارك خادم الهرمين

العوام هم قوة المستبد فإن صال وجال بأسرهم يتهللون لشوكته وإذا قتل منهم ولم يمثل قالوا عنه رحيما وإذا سلبهم أموالهم وأسرف منها ببذخ قالوا عنه كريما يقودهم إلى الموت فيطيعونه.....لم أجد أبلغ من تلك الكلمات التى ذكرها الداعية الإسلامى المستنير عبد الرحمن الكواكبى لكى أصف حال الشعب المصرى مع انتخابات 7 سبتمبر تلك الانتخابات المضحكة المبكية التى ظهرت فيها حماسة البعض وفتور الأغلبية بين لهفة البعض إلى التغيير ولهفة البعض إلى سيل العطايا والهبات وكانت لجنتى خير مثال على ذلك فهى تحتوى على خمس لجان فرعية ومسجل بها ما يقارب ال8000 ناخب ولم يحضر سوى ما يقارب ال300 الثلث جاءوا مباشرة من الكنائس المجاورة بصحبة بعض الخدام لكى يريحوا ضميرهم والثلث الثانى بعضهم قدم خوفا من دفع الغرامة الوهمية وبعضه قدم ليمارس حقه الطبيعى أما الثلث الأخير فجاء بصحبة ممثلين عن الحزب الوطنى فما كان منى سوى أن توقعت النتيجة مسبقا وقلت فى مرارة آه لو أن الشعب يعرف حقه وقوته آه لو أن ألف من هؤلاء المسجلين فى اللجنة حضروا ما كان من يظن نفسه عظيما فى تلك البلد سيفخر بعظمته أمام طوفان رغبة الشعب
إليكم بعض الملاحظات على الانتخابات داخل اللجنة التى تشرفت بمراقبتها كوكيل عن مرشح حزب الغد
*حضر حوالى 300 ناخب من أصل 8000 مسجلين فى اللجنة
*ما لا يقل عن 60%منهم شبان تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة
نسبة الحاضرين لا تتجاوز ال5% وفى لجان أخرى ال10%وال15% أى أنها فى المتوسط 10% وإن وضعنا فى الاعتبار نسبة التفاوت فى الحضور فإنها لن تتعدى ال20% على حسب ما توقعت
عدد الأقباط لا يقل عن 30% معظمهم حضروا استجابة لطلب رجال الدين وأصواتهم ذهبت لمبارك
*بعض مظاهر التزوير داخل اللجنة: تقريبا لا توجد باستثناء أن القاضى رفض أن يكون الفرز علنيا ولكننى استطعت الحصول على النتيجة النهائية وأنا شخصيا لا أتشكك فى صحتها
بعض مظاهر التزوير خارج اللجنة: حاصر المتطوعون للدعاية عن الحزب الوطنى اللجنة والناخبين بسيل من أوراق الدعاية والتسهيل فى الوصول لأرقامهم فى الكشوف
الكثير من الحاضرين جاءوا بصحبة أعضاء من الحزب الوطنى فى سيارات خاصة
مكبرات الصوت تجوب الشوارع كدعاية لمبارك
مندوب مرشح الحزب الوطنى سألنى عن المقابل المادى الذى سأحصل عليه بعد يوم كامل قضيته فى اللجنة من السادسة صباحا حتى الواحدة بعد منتصف الليل وتفاخر بأنه سيحصل على 150 جنيها من نائب مجلس الشعب عن تلك الدائرة كما أخبرنى أن كل الموجودين بالخارج سيحصلون على حوافز مادية تتراوح ما بين 30 إلى 50 جنيها كما أنه سيحصل على مكافاءات أخرى لأنه استطاع أن يحضر 45 ناخبا أعطوا أصواتهم لمبارك ولكنه لم يخبرنى كيف استطاع إقناعهم ولا ماذا سيحصل فى مقابل ذلك وأنا بذلك أؤكد الاتهامات التى وجهها أيمن نور والمنظمة المصرية لحقوق الانسان بشأن شراء أصوات الناخبين فهى عملية واسعة النطاق وليست مقصورة على حالات معينة
لم أكن أعرف سبب إصرار الحكومة على ألا يكون يوم الانتخابات يوم عطلة رسمية ولكننى فهمت السبب بعد أن أخبرنى بعض زملائى أن الأتوبيسات كانت تجوب لجانهم محملة بالموظفين ليدلوا بأصواتهم لصالح المرشح الذى فى يده مؤسساتهم فإن كانت المؤسسة قطاعا عام فإن فإن حاميها حراميها وإن كانت قطاعا خاص فمجرد تأييد صاحب المؤسسة لمرشح الحزب الحاكم يعطيه الكثير من الميزات ويعفيه من بعض الضرائب التى هى من حق الشعب ثم يتفضل سيادته بأن يمن على بعض المنتفعين قصيرى النظر بفضلات ما احتفظ به من ضرائب مما يضمن أصواتا أكثر لمرشح الحزب الحاكم الذى له فضل فى تكوين ثروته لذلك فهو يرد الجميل كنوع من تبادل المنفعة وطبعا هذه الأموال التى يصرفها ببذخ رجال الأعمال لا تدخل ضمن الأموال المعلنة التى اشترط القانون ألا تتجاوز ال10 مليون جنيها لكل مرشح
النتيجة النهائية
حصل مبارك على 200 صوت من أصل 275صوتا صحيحا معظمهم إما منتمين للحزب الوطنى أو جاءوا بصحبة أعضاء فى الحزب بالإضافة لغالبية الأقباط الذين أدلوا بأصواتهم
حصل نور على 38 صوت ونعمان جمعة على 28 صوت ومعظم الذين أدلوا بأصواتهم لهما كانوا من الشبان
طبقا لنتيجة تصحيح ورقة الإجابة فإن مرشح الحزب الوطنى يستحق النجاح بتلك النتيجة ولكنه حصل عليها بالغش نظرا لإمكانيات الحزب ونظرا لتهاون الشعب فهو لم ينجح بفضل من حصلوا على ميزات مادية أو معنوية ولكنه أيضا نجح بسبب سلبية الأغلبية الذين تهاونوا فى حقوقهم السياسية
أعتقد بعد ما حدث من مهاذل خارج اللجان وتغاضى القضاة عن ذلك فإنه يمكننى تفسير سر رفض اللجنة العليا للانتخابات مراقبة الانتخابات من لجان حقوق الانسان ورفض مصر لأى رقابة دولية بدعوى الحفاظ على السيادة ولكن فى الواقع أن السيادة هى للحزب الحاكم ومرشح الحزب الحاكم وليست لرأى الشعب ولا لكلمة الحق أما عن سيادة القضاء فهى حبر على ورق فالقضاة بشر ومؤسستهم ليست قدس الأقداس كما أوهمونا
وأخيرا لا يسعنى سوى أن أتحلى بالروح الرياضية و أقول مبروك لمبارك خادم الهرمين الذى استحق الفوز عن جدارة بفضل هذين الهرمين أما الهرم الأصغر فهو مجموعة المتزلفين والمنتفعين والأميين الساسيين وقصيرى النظر الذين باعوا أصواتهم بتراب الفلوس أما الهرم الأكبرفهو باقى الشعب الذى فضل أن يجلس فى مقعد المتفرجين تاركا الساحة لطيور الظلام

السبت، سبتمبر ٠٣، ٢٠٠٥

من غير ليه أنا أكره أمريكا

بما أنى عربى اللسان وأنتمى جغرافيا للشرق الأوسط فإننى أحاول مسايرة الرأى العام الذى يكره أمريكا إلى النخاع وبلا سبب وكلما لعنت جورج بوش كلما أصبحت أكثر وطنية وأبعدت عن نفسى صفة الخيانة ولكن عندما أجلس إلى نفسى أجدها تقول لى أن ما تفعله أمريكا بالعرب هو رد فعل حضارى يتفق مع عصر حقوق الإنسان فلو أن أحداث 11 سبتمبر وقعت فى القرن ال19 وليس القرن ال21 ربما انقرض العرب من الوجود ولو أن تلك الأحداث وقعت فى أيام هارى ترومان وليس جورج بوش ربما رد علينا بالقنابل الذرية وليس بمشروعات الإصلاح والديمقراطية ولكننى عندما أعجز عن إسكات نفسى أزداد كرها لها لأنها لا تطاوعنى وتسألنى دائما لماذا؟
وبما أننى أنتمى إلى أمة القادة الملهمين الذين أرسوا لبلادهم ثوابت تتفق مع نزواتهم وأصبحت تلك الثوابت نصوصا مقدسة فإننى أكره أمريكا عندما تتعدى على تلك الثوابت لذلك أصدق أن أمريكا معتدية وظالمة وكلما صدقت ذلك كلما صرت أكثر وطنية واستبعدت عن نفسى صفة الخيانة ولكن عندما أجلس إلى نفسى تسألنى هل ظلم أمريكا للعرب أكثر من ظلم الحكام المصريين للأقباط ؟ لما لا يقوم الأقباط بعمليات انتحارية تعبيرا عن شعورهم بالظلم؟ وهل ظلم أمريكا للعرب أكثر من ظلم الشمال السودانى للجنوبيين الذين قتل منهم وشرد الملايين لما لم يفكر الراحل جون جارانج بإرسال مفجرين إلى الخرطوم للتعبير عن شعورهم بالظلم؟ ولكن عندما أعجز عن إسكات نفسى أزداد كرها لها لأنها لا تطاوعنى وتسألنى دائما لماذا؟
وبما أننى أنتمى إلى دول العالم الثالث فإننى أكره أمريكا لأنها تعيش فى رغد ورفاهية وتترك العرب " الغلابة ياعينى" مطحونين من الفقر وكلما اقتنعت أن العرب فقراء مهملين بسبب أمريكا كلما ازدادت شعبيتى وأبعدت عنى صفة الخيانة ولا بد أن أقتنع أن الإرهاب هو رسالة سخط من الفقراء إلى العالم المتقدم المتجبر ولكن عندما أجلس إلى نفسى تسألنى وهل حقا العرب فقراء؟ وهل هم أكثر فقرا من الأفارقة "اللى كافيين خيرهم شرهم" رغم معاناتهم من الملاريا والإيدز والمجاعات؟ لماذا لم يفكر أحد منهم فى إرسال انتحاريين إلى نيويورك ولندن وباريس للتعبير عن شعورهم بالفقر والمرض والإهمال ولكن عندما أعجز عن إسكات نفسى أزداد كرها لها لأنها لا تطاوعنى وتسألنى دائما لماذا؟
نعم أنا أكره أمريكا وسأظل أكرهها ولا أريد أن أعرف لماذا
د.ماركوس ملطى عياد