الاثنين، يوليو ١٨، ٢٠٠٥

حلول عملية لمأساة العراق


ذهبت أمريكا إلى العراق تحت شعار حرية الشعب العراقى ولكنها فى الواقع لم تكن تهدف إلى حرية العراقيين بل إلى الحفاظ على الأمن القومى الأمريكى ووسيلتها فى الحفاظ على أمنها هى تخليص العراقيين من الطاغية الذى قد يكون خطرا على الأمريكيين كما هو خطر على العراقيين إذن حرية العراقيين مجرد وسيلة لتحقيق مصلحة أمريكا وأنا لا ألوم أمريكا على ذلك فهى ليست ملاكا هابطا من السماء جاءت لتضحى بأموالها وأرواح أبنائها من أجل أهداف نبيلة وبلا مقابل ولم تخلق بعد الدولة التى لا تضع مصالحها الوطنية فى أولويات اهتمامها وإن قارنا بينها وبين الشعوب العربية سنكتشف أنها شعوب لا تبحث عن مصالحها بل تهب نفسها لطواغيت تستعبدها
ومن ثم ينبغى أن ندرك جيدا أنه مهما كانت الشعارات فهى مجرد بريق يغطى المصالح ففرنسا وألمانيا وروسيا دول رفضت الحرب لمصالحها سواء للمزايا الاقتصادية التى تربطها بصدام أو للبحث عن دور سياسى دولى لمناطحة الدولة العظمى وهذه الدول هى نفسها التى عارضت فيما بعد التنازل عن الديون التى لها عند العراق وبعد جولات من المفاوضات اقتنعت بالتنازل عن بعض مستحقاتها فى نظير المشاركة بشركاتها فى عقود إعادة إعمار العراق أى أنها رفضت لمصالحها وتنازلت لمصالحها
والحكام العرب رفضوا الحرب لا تعاطفا مع الشعب العراقى بل لمصالحهم المتمثلة فى الحفاظ على نظام ديكتاتورى يمكن أن يحصن المنطقة من العدوى الديمقراطية كما أن المثقفين العرب وبعض الفنانين رفضوا الحرب لمصالحهم إما مع السلطات الحاكمة فى بلادهم أو مع صدام مباشرة أو مع الشعب المبرمج على العداء لأمريكا أما الشعوب العربية فرفضت الحرب لأن مصلحتها هى أن تتغذى على أحلام ميتافيزيقية ونوازع أيديولوجية مفروضة عليهم كبديل عن الحرية والرفاهية التى حرمها عليهم الواقع
والشيعة والأكراد وربما بعض السنة العراقيين رحبوا بالأمريكان لأن مصلحتهم أن يتخلصوا من ظلم صدام وتهميشه لهم والبعض الآخر من السنة رفضوا الاحتلال لأن مصالحهم ومزاياهم ضاعت منهم عندما تجاهلهم النظام الوليد أما المتمردون فهم يرفضون الاحنلال البعض منهم على أمل استعادة مصالحهم السابقة والبعض الآخر لأن مصالحهم تتبلور فى إقامة حكم ثيئوقراطى يخول لهم الانفراد بالسلطة
ومعظم دول العالم ترفض إرسال قوات إلى العراق بسبب خوفهم على أرواح جنودهم لعدم استقرار الوضع مع خلو العراق من أى مصلحة لها وتلجأ بعض الدول لإرسال قوات رمزية بسبب مصالحها مع أمريكا فالأساس هو المصلحة وهكذا نجد النظام السورى يتحالف مع باقى النظام البعثى ومع المتمردين لأن مصلحته هى إفشال أمريكا فى العراق حتى لا يكون هو المستهدف التالي بعد البعث العراقى
فالحقيقة أن ما يحرك العالم كله هو المصالح ومهما كانت الشعارات فإننا فى الواقع نلعب بالكرة فى ملعب المصالح ومن يحاول أن يقحم المثاليات فى اللعبة فهو غير واقعى ويقذف بالكرة خارج الملعب لذلك أقترح حلين للمشكلة العراقية أحدهما سياسى والآخر أمنى
أما السياسى فهو كالتالى : لما لا تقدم العراق دعما بتروليا لسوريا بأسعار أقل من سعر السوق تمد لها أنابيب بترول تحت شعار مساعدة الشعب السورى الشقيق الذي يبذل كل ما بوسعه لمساندة الاستقرار فى السفينة العراقية ويتم تقديم الدعم لسوريا على أن تقلص العراق كمية النفط المهداة إن تهاونت سوريا فى ضبط حدودها أو يتم زيادة الكمية عندما تتمكن قوات الأمن السورية من القبض على من يحاولون التسلل عبر الحدود وتسليمهم للشرطة العراقية ( أعتقد أن هذا أفضل من تفجير أنابيب البترول وعدم استفادة العراقيين منه فأن تقدم العراق لسوريا مليار دولار أفضل من أن تخسر بسببها 10 مليار دولار)
وتفعل العراق نفس الشئ مع الجانب الأردنى على أن تتعاون الحكومة الأردنية فى حملات إعلامية لكشف الوجه القبيح للمتمردين وإظهار إجرامهم ومن ثم تلجم أفواه المحرضين على التمرد
لما لا تمنح الحكومة العراقية عقود إعادة الإعمار للدول العربية وتعقد معهم بعض الصفقات التجارية فى مقابل التعاون الأمنى والمخابراتى ضد هؤلاء المتمردين الإرهابيين بالإضافة للحملات الإعلامية المستنكرة لأفعال هؤلاء الإرهابيين داخل الدول العربية فالإعلام له دور كبير فى محاصرة المتمردين وتقليص خطورتهم
لماذا لا تقدم الحكومة العراقية والأمريكان بعض الميزات لدول ذات جيش كبير مثل الهند فدولة تمتلك جيشا يعد بعشرات الملايين لن يضيرها إن أرسلت منهم نصف مليون فهذا يكفى لبسط الأمن فى العراق فالمشكلة الأساسية هو العدد الغير كافى من الجنود الأجانب فى مقابل عدد غير كاف من الجيش العراقى إما لخوف العراقيين من الانضمام للجيش العراقى أو نتيجة الاختراق الأمنى للجيش من عناصر التمرد فإن تم تجاوز هذه المرحلة أمكن بسط الأمن وتكوين الجيش وتسريع بناء مؤسسات الدولة وشل حركة التمرد مما يمهد لإنهاء حالة الاحتلال وانسحاب قوات التحالف بسرعة أكبر وإن لم يتم تجاوز عنق الزجاجة هذه ستدخل العراق فى دائرة غير منتهية مع العنف فكل جندى أمريكى أو عراقى يموت هذا يخيف ألف عراقى من الانضمام للجيش وهذا بدوره يعطل عجلة التحول الديمقراطى ويعطل بناء الجيش العراقى من يوم إلى شهر ومن شهر إلى سنة وهذا يعطل الاستثمار ومن ثم يشجع بعض " العواطلية " و" البلطجية " على الانضمام للمتمردين بتشجيع من بعض رجال الدين الذين يستغلون أجواء الحرية لكى ينشروا سمومهم كما أن وجود إمداد مستمر عبر الحدود ينعش المتمردين باستمرار ولا مانع من السلب والنهب عن طريق خطف الأغنياء والأجانب (بذريعة مقاومة العملاء) ثم إطلاقهم مقابل " إتاوات " يستخدمونها لتنظيم أنفسهم أكثر وضم مجاهدين أكثر بمباركة رجال الدين الذين يتمتعون بحرية إبداء آرائهم فى رفض الاحتلال وهنا أقول أن نظام التمرد صار ذاتى التمويل مما يحقق له الاستمرارية
فإن كان لا يمكن إقناع الهند بالدفع بنصف مليون من جنودها فماذا لو أقنعت العراق وأمريكا مائة دولة على مستوى العالم وإغراءها بارسال قوات إلى العراق على أن ترسل كل منها 4000 جندى على الأقل بشرط أن يتفقوا جميعا على ذلك سيكون هناك جيش دولى من 400000 جندى فهذا يكفى بجانب العدد الحالى لضبط الحدود وحفظ الأمن وتقليص وتيرة العنف إلى أقل حجم ممكن ومحاصرة المتمردين وإشعار المواطنين بالأمان وتشجيعهم للإدلاء بلا خوف عن بؤر المتمردين مع توفير الحماية لهم وتطمين الشباب العراقى للانضمام للجيش وتكوينه فى وقت أقل كما أن حجم ما ستدفعه العراق وأمريكا مقابل ذلك لن يساوى شيئا فيما تخسره الدولتان اليوم وما ستتكبده غدا من خسائر مادية وخسائر فى الأرواح كما أن ما ستدفعه أمريكا اليوم سيوفر عليها الكثيرغدا وسيعود عليها بالفائدة ويعجل من إنهاء مهمتها سريعا فى العراق أما بالنسبة لشيوخ العشائر فإنه شئ بديهى أن يتم محاورتهم وإعطاؤهم مزايا للتعاون فى تأسيس الدولة العراقية الديمقراطية الجديدة

هذا بالنسبة للجانب السياسى أما بالنسبة للجانب الأمنى فهو كالتالى : ينبغى على الحكومة أن تعامل المتمردين بمنتهى الحزم والقسوة فالذئاب لا ينطبق عليها قوانين الحملان ولا ينبغى أن نحقق قواعد الحرية داخل الغابة ولا ينبغى التعامل بحقوق الإنسان مع بشر لا يعترفون بحقوق الإنسان وليس من العدل أو من الرحمة أن يعامل من يزهق أرواح العشرات بالرفق فإن عاملت أحدهم بقواعد حقوق الإنسان فلن يدلى بمعلومات عن زميل له يخطط لقتل العشرات من المدنيين فالرحمة بهذا الرجل سوف تحولنى إلى ظالم لعشرات الأبرياء وإن تم حبس 10 أشخاص مشتبه فيهم ومنهم 9 أبرياء فهذا أفضل من أن يطلقوا جميعا ويقوم العاشر بإزهاق أرواح 20 مدنيا فهذا الظلم المؤقت مطلوب لتحقيق مساحة أكبر من الأمن كما أن حفظ الاستقرار هو نوع من العدل فكما أن الديكتاتورية تفرض الظلم والاستبداد بالقوة فالديمقراطية ينبغى أن تفرض العدل والشفافية والمصلحة العامة بالقوة وأى ديمقراطية ينبغى أن يكون لها أنياب ومخالب لكى تحافظ على نفسها ( أعتقد أن الإرهاب الذى تعانى منه أوروبا وأمريكا أكبر دليل على أنهم فى حاجة إلى تلك الأنياب والمخالب ) فهذه إيطاليا بنظامها الفاشي استطاعت أن تحد من نشاط المافيا فى فترة حكم موسولينى بينما عجزت فى ذلك الولايات المتحدة لعشرات السنين لأنها طبقت على هؤلاء المجرمين قوانين لا تصلح لمحاربتهم وهنا فى مصر لو عاملت الحكومة الإرهابيين بقوانين الرحمة وحقوق الإنسان لكنا غارقين فى بحر الإرهاب إلى الآن فى الوقت التى لا تعى فيه أوروبا بعد أنه لا يمكن وضع هؤلاء الذئاب المحرضين على العنصرية فى حظيرة الحملان وفى الحرب العالمية الثانية قامت أمريكا بحبس 100 ألف أمريكى من أصل يابانى بدون تهم موجهة وتهمتهم أنهم من أصل يابانى مما يثير المخاوف من أن تتمكن اليابان من توظيف بعض منهم فى عمليات تجسس ولو افترضنا أن أمريكا عاملتهم بمبادئ حقوق الإنسان والمتهم برئ إلى أن تثبت إدانته ثم تمكنت اليابان من توظيف مائة من المائة ألف فهذا وحده ممكن أن يكون كارثة على الولايات المتحدة فى تلك الحرب بل أقول ما يمكن أن يغضب القراء ولكنه الواقع أن رفق اليساريين الإسرائيليين من أمثال اسحق رابين وشمعون بيريز مع المنظمات الفلسطينية المسلحة التى لا تعترف بأن لإسرائيل الحق فى الوجود لم تحقق الأمن للشارع الإسرائيلى ولكن حققه رجل عنيف ودموى مثل شارون لا عن طريق القانون الإسرائيلى ولا عن طريق حقوق الإنسان بل عن طريق قانون الغابة والبيانات والأرقام لا تكذب إن قارنا بين عدد العمليات الانتحارية فى عام 1996 وفى عام 2003 فمصاصو الدماء لا يصلح معهم سوى مصاص دماء مثلهم والظلم قد يكون مطلوبا أحيانا لنحقق العدل والاستقرار والمصلحة الوطنية كما أن حقوق الإنسان لن تحيي الأموات ولن تعوض عن الخسائر الاقتصادية ولن توفر الحماية للعراقيين فلنتحرك وفق المعادلة التى تحقق أكبر قدر من المنفعة وأقل قدر من الخسائر تلك المعادلة التى تحقق التوازن بين المصلحة العامة المتمثلة فى الاستقرار والأمن وبين المصلجة الخاصة المتمثلة فى حقوق المواطن وحريته وأنا كم أعجبت بشخص مثل جورج مارشال وزير خارجية أمريكا أيام هارى ترومان عندما قدم للكونجرس مشروعه لإعادة إعمار أوروبا عن طريق تقديم معونة لأوروبا اقترح ألا تقل عن 19 مليار دولار وهذا مبلغ كبير بتقديرات تلك الفترة وهدد الرجل بتقديم استقالته إن رفض الكونجرس المشروع وقالها صراحة أنه يقدم هذا المشروع من أجل أمريكا قبل أن يكون من أجل أوروبا فلم يوهم الأمريكيين أنهم ملائكة رحمة بعثوا ليعمروا الأرض ولكنه أوضح أن أوروبا لن تستطيع أن تقف على قدميها بدون تقديم يد المساعدة لها وإلا فإن الطريق سيكون مفتوحا لكى يعتلى عرش هذه القارة ديكتاتوريات شيوعية وفاشية قد تكون أكثر خطرا على أمريكا من الديكتاتوريات الفاشية والنازية السابقة
كما أنه من الضرورى صدور قوانين استثنائية لإعدام ومصادرة أملاك كل من يتورط فى أى عملية إرهابية وكل من يضبط متلبسا وفى حوزته أو داخل منزله أى أسلحة مما يستخدمها المتمردون وكل من يأوى هؤلاء المتمردين والأهم من ذلك تجريم كل من يحرض على المقاومة المسلحة فالمحرضون هم الأخطر فى دائرة العنف والديمقراطية ينبغى أن تتسامح فقط مع من يتسامح معها ينبغى أن تعترف فقط بمن يعترف بها ويحضرنى هنا ما قاله الرئيس الأمريكى الأسبق ابراهام لنكولن الذى طالما اتهموه بالديكتاتورية والخروج عن ثوابت الحرية التى أرساها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة واعتبروه عدوا للديمقراطية لأنه يحبس كل من يعارض الحرب وكل من يحرض على الخروج من التجنيد أثناء الحرب التى خاضها من أجل الحفاظ على الاتحاد الأمريكى ومن أجل تحرير العبيد فكان رد الرئيس " هؤلاء يحبطون الجنود ويعيقون التجنيد وشجعوا على الهروب من الخدمة فى الجيش الذى هو حياة الأمة وقوتها " ثم يكمل الرئيس قائلا " هل يجب أن أطلق النار على جندى ساذج فى مقتبل العمر يهرب من الجندية بينما يجب ألا أمس شعرة من المحرض الماكر الذى يغريه ليهرب من الخدمة؟ أعتقد أن إسكات المحرض وإنقاذ الجندى الذى هو فى مقتبل العمر ليس عملا دستوريا فحسب بل ينطوى أيضا على قدر كبير جدا من الرحمة"
وخلاصة الحديث أقول"عندما أكون قاسيا على الذئب فحينئذ أصبح رحيما على الحمل الذى أنقذه من فم الذئب "

وأخيرا أرجو من الله للشعب العراقى أن يمنحه السلام والاستقرار والحرية فهذا الحلم الذى هو قاب قوسين من الحدوث ليس حلم العراقيين فقط بل هو حلم منطقتنا الحبيبة كلها هذه الصحراء العطشى لمياه الحرية هذه العذراء التى مرضت من القهر والكبت وشربت حتى الثمالة من الموت


د.ماركوس ملطى عياد

تاريخ مكتبة الإسكندرية كما يجب أن يكون


لقد حضرت أحد المؤتمرات العلمية فى مكتبة الإسكندرية وفى فيلم وثائقى تم عرضه فى افتتاحية المؤتمر ذكر أن المكتبة خرجت عن الوجود فى القرن الرابع مما دعانى للبحث فى أوراق سابقة كنت قد كتبتها عن هذا الموضوع لعل المسئولين الذين يتشدقون بالشفافية ينحاذون إلى الحقائق بدلا من التحيز لرأى معين

مكتبة الإسكندرية القديمة

قيل أنها وضعت فى تخطيط الإسكندر الأكبر عند بناء الإسكندرية ولكنها ظهرت للوجود فى النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ما بين " 295-250 " ق.م واكتمل بناؤها فى عهد بطليموس الثانى الذى يدعى فيلادلفيوس
كانت مكتبة عالمية تضم كتبا من بلاد عديدة مأخوذة من البلاد التى استولى عليها اليونانيون وبعض كتبها أخذت على سبيل الاستعارة وتم نسخها واختلف المؤرخون فى عدد المجلدات الموجودة فى المكتبة فهى تتراوح من 75,000 إلى 2,000,000 مجلد وبعض الشواهد تدل على أن مكتبة الرامسيوم التى أسسها رمسيس الثانى عام1500 ق.م قد نقلت مجلداتها إلى مكتبة الإسكندرية
وصنفت الكتب بنظام الفهارس فى الشعر والبلاغة والدين والتاريخ واللغة والعلوم المختلفة
وألحق بالمكتبة مرصد على الميناء وحديقة حيوان ومعامل اختبارات ومن علمائها
*إقليدس عالم الرياضيات الشهير الذى قنن أسس الهندسة وصاحب كتاب العناصر
*سيلجين الفلكى صاحب التقويم اليوليانى
*بطليموس الفلكى
*أرشميدس عالم الطبيعة الشهير الذى اخترع الكثير من الآلات التى ساهمت فى الدفاع عن بلاده وقيل أنه استخدم العدسات المحدبة فى تجميع أشعة الشمس وحرق سفن الأعداء.وهو صاحب نظرية الكثافة النوعية التى لها أكبر الأثر فى طرق صنع السفن البحرية ورويت قصص عن كيفية توصله لتلك النظرية أنه أعطى تاج من الذهب وطلب منه أن يتأكد إذا كان هذا التاج ذهبا خالصا أم أنه سبيكة وعندما تعب من التفكير ذهب للاستحمام فى حوض ماء فشعر بخفة وزنه ففكر قليلا ثم خرج هاتفا "يوريكا" أى وجدتها فصارت تلك الكلمة مشهورة
كما أنه وضع أسس علم التفاضل والتكامل فى اللانهاية ووضع مبادئ الميكانيكا
*أرسطرخوس وهو أديب وأول من قال بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس
*أراتوسشيس عالم جغرافيا وهو أول من قاس محيط الأرض من مرصد المكتبة
*هيبارخوس عالم فلكى أول من حدد الاعتدالين الربيعى والخريفى وحدد حجم الشمس والقمر وقدر طول الشهر القمرى وضع علم حساب المثلثات وأول من استخدم دوائر الطول والعرض فى تحديد المواقع والأبعاد
*إيرازستراتوس طبيب جراح وعالم تشريح وصف الدورة الدموية وصمامات القلب وميز بين الأعصاب الحركية والأعصاب الحسية
*هيراقليدس كيميائى عرف العقاقير
*كتسيسوس مخترع طلمبة الدفع وساعة كليسندرا وابتكر الأرغن الهوائى
*فيلون مخترع الساقية ورحى لشق البذور والمنجنيق الحربى الذى يقذف القذائف والنيران وهو مخترع أوعية تشبه " السيفون" تمتلئ بالماء تلقائيا
*كاليماخوس الذى أنشأ علم المكتبات و صنف 900 ألف مخطوطة على أساس علمى وأبولينوس من الشعراء
والمكتبة كان لها فرعان المكتبة الأم "البروكيون"وتعنى داخل المركزأى داخل القصر الملكى وهى فى الميناء الشرقى ومعظم الدراسات تصورها تقع بعيدة نسبيا عن الشاطئ ولكنها تراه بوضوح تقع على مساحة واسعة من الأرض محاطة بمزرعة نباتات ومدينة ترفيهية كما أن لها مرصد على الميناء
أما المكتبة الوليدة فهى مكتبة السرابيون ملحقة بمعبد السرابيون الوثنى فى حى "راكوشيس" الشعبى
وفى آسيا الصغرى تم بناء مكتبة أخرى تدعى"البرجاموس"بعد بناء مكتبة الإسكندرية ب100عام وكانت منافسا قويا لها وعدد مجلداتها وصل 200,000 لفافة جلدية واختفى الحديث عن الإسكندرية كمنار للعلم ومحط للباحثين فى القرن السابع ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت الأبحاث عن مكتبة الإسكندرية القديمة ومصيرها وظهرت آراء متضاربة وكل يوم نكتشف أسرارا جديدة فى هذا الموضوع

الرأى الأول ينسب حرق المكتبة الأم "البروكيون"للملك يوليوس قيصر عندما حاصره القائد أخيلاؤس البطلمى فاضطر القيصر إلى حرق السفن فى الميناء حتى لا يصل القائد إليها فاحترق الميناء وجزء فقط من المكتبة عن غير تعمد ويؤيد هذا الرأى المؤرخ بلوتارخوس
وإن كان أحد المؤرخين يّدعى أن المدينة لم يمسها النار لأنها مبنية من الرخام لكن مؤرخا آخر وهو ديوكاسيوس يقول "امتدت النيران إلى ما وراء المراسى بالميناء فقضت على بيادر القمح ومخازن الكتب كثيرة العدد عظيمة القيمة" فالبعض يرى أن تلك الكتب هى عبارة عن ورق بردى خام موجود فى مخازن الميناء لإعداده للتصدير أو أنها مخازن كتب ملحقة بالمكتبة موجودة فى الميناء فكثير من الدراسات تشير إلى أن المكتبة كانت بعيدة نسبيا عن البحر فى حى البروكيون كما أن القيصر وجيشه كانوا محاصرين فى الحى فكيف ستصل النيران إلى المكتبة دون أن تمس الجنود بأذى مما دعا بعض الدارسين إلى الاعتقاد أن الملكة كليوباترا قد بالغت فى موضوع الحريق حتى تستولى على مكتبة البرجاموس المنافسة لمكتبة الإسكندرية كتعويض لها وهذا ما ما فعله لها القائد مارك أنطونيوس الذى حمل لها تلك المكتبة بالكامل

الرأى الثانى يظن بعض الدارسين أن المسيحيين المتشددين وعلى رأسهم البابا ثيؤفيلوس ال23هو المسئول عن حرق مكتبة السرابيون الملحقة بالمعبد عام391.م بعد أن صرح له الملك ثيؤدوسيوس الكبير بهدم المعابد الوثنية فى الإسكندرية حتى أن المسيحيين المتشددين تحولوا إلى منتقمين فصدرت الأوامر بحرق المكتبة بدعوى أنها فكر وثنى ولكن هناك ملاحظات كثيرة على هذا الرأى
*أولا: لقد أقنع البطرك الإمبراطورثيئودوسيوس الكبير أن الوثنيين يقدمون ذبائح بشرية فى معابدهم فاستصدر منه أمرا بهدم المعابد التى يثبت أنها تفعل ذلك فبدأ بمعبد باكوس إلهة الخمر ثم معبد السيرابيس ولكن لم يكن فى المرسوم ما يشير إلى حرق أو هدم المكتبة
*ثانيا: هذا البطرك أثار الكثير من المشاكل مع البابا يوحنا ذهبى الفم أسقف القسطنطينية وكان سببا مباشرا لنفيه ظلما مما أثار استياء الكثير من الأساقفة والمؤرخين الذين وصفوه بكلمات لاذعة فإذا كان هذا البابا هو المسئول عن حرق المكتبة فإن أول من سيكتب عن ذلك هم مؤرخو عصره ولكن هذا لم يحدث فلم يوجد مؤرخ واحد ينسب حرق أو هدم المكتبة للأقباط وكل من ذكروا حادثة هدم معبد السيرابيس لم يذكروا شيئا عن المكتبة
*ثالثا: المؤرخ أفطونيوس جاء فى القرن الرابع ووصف المكتبة ولكنه لم يذكر شيئا عن المعبد مما جعل البعض يظن أنه ربما يكون وصفها بعد حرق المعبد"هذا احتمال ضعيف "
*رابعا: المؤرخ سقراط وصف هدم المعبد وتحدث عن صهرالتماثيل المعدنية التى صنعت منها أوانى المذبح حتى أن بعض الدارسين يرجحون ربما أن المكتبة احترقت من ألسنة النار عن غير عمد ولكن ذلك المؤرخ كغيره لم يذكر شيئا عن المكتبة
*خامسا: المؤرخ روفينوس يصف هدم المعبد وحرقه ولكنه يؤكد أن الأبنية الخارجية لم يمسها ضرر
*سادسا:حنا مسكوس وصفرونيوس من الباحثين الذين قدموا إلى الإسكندرية فى القرن الخامس للدراسة تحدثا عن مكتبات الإسكندرية وذكرا أنها منار للعلم ولكنهما لم يذكرا شيئا عن مكتبة عامة مما دعا بعض الدارسين أن يرجحوا أن المكتبة نقلت من موضعها قبل حادثة هدم المعبد بسنين

أما الرأى الثالث فيقول أن المكتبة أحرقها القائد عمرو بن العاص بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب والقصة تقول أن أحد العلماء ويدعى يوحنا فيلوبينوس يلقبه العرب ب "يحيى النحوى" طلب من عمرو ان يستفيد من الكتب الموجودة فى مخازن الروم فأرسل عمرو إلى الخليفة يخبره عن المكتبة فرد عليه الخليفة "أما بخصوص الكتب التى حدثتنى عنها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففى كتاب الله غنى عنها أما إن كان فيها ما يخالف كتاب الله فتقدم لحرقها" فقام عمرو بن العاص بتوزيع لفافات البردى على4000 من حمامات الإسكندرية لتسخن بها المياه واستمر ذلك ستة أشهر لكثرتها. وهنا انقسم الدارسون إلى مؤيد ومعارض

أما من يعارض فللأسباب الآتية
*الدين الإسلامى يدعو للعلم واحترام العلماء وهناك آيات قرآنية تؤكد ذلك وبعض الخلفاء كانوا يشجعون على العلم ويرصدون الهدايا لمن يأتى بشئ جديد
*الخليفة عمر كان مشجعا على العلوم الدينية وعلوم اللغة والمعرفة بوجه عام

*الرحالة الذين زاروا الإسكندرية فبل الإسلام لم يتحدثوا عن مكتبة عامة ولو كانت موجودة لذكروها ووصفوها

*أول مؤرخ ذكر تلك القصة كان بعد مرور أكثر من خمسة قرون من دخول ابن العاص للإسكندرية (تلك الرواية غير موجودة فى تاريخ حنا النقيوسى وابن الحكم والبلاذرى والطبرى والمسعودى والكندى وأبى صالح )

*يوحنا فيلبينوس المذكور فى الرواية ربما لم يكن حيا فى ذلك الوقت حيث أنه لو كان حيا يكون قد تجاوز عمره ال120عاما
*البعض يتساءل مهما يكن من حجم الكتب المحترقة فهل تحتاج هذا الكم من الحمامات والوقت مما يشكك فى الرواية

أما من يؤيد تلك الرواية فللأسباب الآتية
*من تحدث عن تلك الرواية هم من المؤرخون المسلمون عبد اللطيف البغدادى وابن القفطى و أخذها عنهم أبو الفرج ابن العبرى و المؤرخون الغربيون كما أن ابن النديم (من القرن العاشر الميلادى) فى كتابه "الفهرست " يذكر أن يوحنا فيلبينوس كان موجودا أيام دخول العرب للإسكندرية وكان مقربا من عمرو

*المسلمون فعلوا نفس الشئ بمكتبات فارس ونفس النص قد سبق أن أرسله الخليفة عمر إلى القائد سعد بن أبى وقاص الذى أمر بإلقاء كتب الفرس فى النار والماء

*يتهم البعض العرب أن الهدم والتخريب لأى حضارة أخرى هو مبدأ عام عندهم مثلما جاء فى مقدمة ابن خلدون أن العربى لا يطيق أى حضارة مزدهرة إلا ويخربها

*أن الخليفة عمر لم ينظر إلى المكتبة على أنها محراب العلم بل نظر إليها على أنها معقل للتثليث والعبادة الوثنية فخشى على افتتان المسلمين فى دينهم. فهو الذى عزل خالد بن الوليد عندما وجد الناس يبجلونه وهو الذى قطع شجرة بيعة الرضوان عندما أخذ المسلمون فى التبرك بها وهو الذى أشار على نبى الإسلام بحجاب أمهات المسلمين وفى ذات مرة قام بنفى أحد الأشخاص ذو الملامح الجميلة إلى البصرة عندما سمع إحدى الفتيات تتحدث عنه بإعجاب

ومهما يكن فقد انتهت المكتبة واندثرت وذهبت معها أسرار الحضارة الفرعونية "حيث يعتقد أنها كانت تضم مكتبة الرامسيوم التى أسسها رمسيس الثانى" ولو لم تصل إليها الأيدى العابثة ربما كنا تجاوزنا عصر الفضاء بمئات السنين
لقد حاولت أن أجمع بعض المعلومات من المصادر القليلة التى حصلت عليها وما توصلت إليه هو السطور السابقة ولم أجد من المؤرخين من يتهم البابا ثئوفيلوس مباشرة بأنه المسئول عن حرق مكتبة السرابيون إلا من المفكرين المسلمين الذين سافروا للخلف 16قرنا ورأوا ما أخفاه أهل ذلك الزمان ولم أجد فى الكتب التى قرأتها من يتهم الأقباط اتهاما صريحا إلا فى فيلم وثائقى خاص بمكتبة الإسكندرية الذى أذيع فى أحد المؤتمرات العلمية مؤخرا يذكر أن المكتبة اندثرت فى القرن الرابع(واضح أنه يعرض فى كل المؤتمرات) كما أننى لا أدافع عن الأقباط فهم لهم أخطاؤهم التى لا تغتفر الموجودة فى ذاكرة التاريخ ولكننى أريد دراسة التاريخ كما هو أو استنادا إلى أدلة ملموسة وليس إلى ميول عنصرية فالتاريخ فى تلك القضية غير واضح ولا يعبر عن رأى قاطع والدراسات ما زالت مستمرة وينبغى أن نضع الحق فى نصابه بعيدا عن التعصب



المصادر –كتاب دخول العرب مصر لألفريد بتلر
--كتاب تاريخ الكنيسة القبطية د.إيريس حبيب المصرى
--مجلة المصور
--كتاب عبقرية عمر .لعباس العقاد
--مجموعة نبذات عن مكتبة الإسكندرية القديمة

د. ماركوس ملطى عياد

السبت، يوليو ٠٩، ٢٠٠٥

النسر فى حظيرة الفراخ

(هذا المقال يقدم وجهة نظر معينة عن سر شعبية بعض الطغاة)
النسر فى حظيرة الفراخ

اسمحوا لى أن أبدأ حديثى بهاتين القصتين الأولى رمزية والثانية حقيقية
كان هناك مجموعة من الكتاكيت تعيش معا فى حظيرة تلعب معا "واحد اتنين تلاتة كاروليت كاروليتة. حلوة اللعبة دى؟ أنت فار وأنا قطة-----" ثم تأتى ربة المنزل وتداعبهم قائلة"تعا ...تعا.... تعا.....(تعال)" وتلقى لهم الحب على الأرض وتصب لهم الماء لقد كانوا راضين بتلك المعيشة يرقصون ويلعبون وينتظرون الطعام والشراب ولكن الكتكوت ذو الذيل الأخضر كان يرفض تلك الحياة أراد أن ينطلق فترك الحظيرة وذهب يلف العالم وفى كل مكان كان يتعلم ويكتسب خبرة لقد ازداد حجما وعقلا وصار يغنى"ياحلولى ياحلولى ده إيه ده إللى بيحصللى" وفكر أن يمر على الحظيرة ليرى أصدقاءه الكتاكيت فوجدهم وقد أصابتهم الشيخوخة ومازالوا يلعبون ويغنون نفس الأغنية" و—احد. اتن—ين. تلا—تة.-----" ومازالوا ينتظرون ربة المنزل لتداعبهم وتلقى لهم الحب والماء

هذه القصة شاهدتها فى الطفولة فى أحد برامج الأطفال وتذكرتها عندما قرأت قصة أخرى تشبهها

"فقد كان هناك رجل يربى طيورا داجنة مر تحت سفح جبل فوجد نسرا صغيرا مصابا فأخذه وداواه ووضعه فى نفس الحظيرة مع الطيور حتى كبر وقد اعتاد على تلك الحياة يأكل ويشرب مع الطيورالداجنة وحدث أن ذلك المربى زاره خبير فى الطيور فقص له قصة النسر فلم يصدقه إلا بعد أن أراه إياه فدخل إليه وأمسك به وألقاه خارج الحظيرة ولكن النسر سرعان ما دخلها تلقائيا مرة أخرى وكأنه اعتاد على تلك العبودية فتضايق ذلك الخبير وأخذ النسر وخرج به إلى أعلى قمة تل ووجه عينى النسر تجاه قرص الشمس وقال له " أترى هذه الشمس ياصديقى ؟ أترى هذا الفضاء؟ إنه مكانك هيا انطلق ولا ترجع ثانية " لقد انطلق النسر عندما وجد شمس الحرية و غاب عن الأنظار إلى الأبد.

لعلى من تلك القصتين يمكننى تفسير أسئلة تحيرنى
*.ما سر قبول الألمان لهتلر ؟
*ما سر حب الروس لستالين رغم أنه كان يحكمهم بقسوة أكثر من القياصرة أنفسهم؟
*ما سر شعبية الرئيس المصرى السابق جمال عبد الناصر رغم أنه كان ديكتاتورا من الطراز الأول؟ يكفى أنه المسئول عن مأساة 67 فقد ورطنا فى حرب غير متكافئة لا أعلم كم من شبابنا راح ضحيتها غير الخسائر المادية وعسكرة الاقتصاد وعار الهزيمة الذى ما زال يلاحقنا به اليهود بما يسمونه بحرب الأيام الستة
*ما سر تعلق الطفل بوالديه رغم كل قسوتهما عليه؟
*ما سر رضوخ المرأة فى مجتمعنا الشرقى ورفضها المطالبة بحقوقها؟

أقرب تفسير مقنع قرأته هو غياب الوعى والشعور بالعجز مثل ذلك الكتكوت الذى لا يريد أن يكبر أو ذلك النسر الذى لا يعى أنه يملك القدرة على الطيران ولا يعرف أن له عالم آخر. يظن أنه عاجز عن الحصول على طعامه إلا عن طريق ذلك المربى ويظن أن ذلك الرجل له فضل عليه فارتضى أن يعيش داخل ذلك السجن فهو لا يقدر أن يستغنى عنه أو كما يقول الكاتب عبد الكريم سليمان أن الإنسان إن وقع عليه ظلم من آخر فإن الشئ الطبيعى أن يرد هذا الظلم ولكن إن دخل عنصر الخوف فى حياته وشعر بالعجز عن رد الظلم فهو بطريقة غير واعية يرد الظلم على نفسه نتيجة عجزه عن تصويبه فى الاتجاه الصحيح أو بمعنى أدق شعوره بالعجز والنقص فيرفض العبد الحرية ويقاومها نتيجة دائرة سادومازوخية بين هذا الظالم القوى وبين المظلوم الخائف العاجز كما يحدث مع فتاة يعتدى عليها ذئب بشرى فتشعر بالذنب وتعالج المشكلة بأن تلجأ للانتحار
لقد قام الرئيس السوفييتى السابق خروتشوف بفضح ستالين بعد موته فأصاب الشعب الروسى بصدمة إنه لم يكشف ديكتاتورية ستالين بل كشف أن الشعب الروسى كان عاجزا ولا يعى كيف يحكم نفسه " تركوا ستالين ليفكر بدلا منهم كما كانوا يرددون فى أغانيهم ( ستالين يفكر فينا )"
يهتفون... على أى شئ؟ لا يهم-- المهم أنهم يهتفون .
يصفقون... لماذا؟ غيرمهم -- يكفى أنهم يصفقون.
فيناصرون مولاهم بدون محاسبة إنها الطريقة التى يستخدمها المستبد ليصير الشعب مجرد تابع " الحجر على التفكير وتغييب الوعى والدخول بهم فى عالم الشعارات وترديد الهتافات والثوابت"
لقد لجأ ستالين إلى تقليص عدد المثقفين فى الجيش وفي اللجنة المركزية للحزب الشيوعى وكان من المقربين منه رجل غير متعلم كان يعمل إسكافيا قبل دخوله السياسة ولكنه حاز على إعجاب ستالين لأنه ينفذ أوامره بدقة كما أنه ليس له أى وجهة نظر خاصة فى السياسة كان هذا الرجل دائما ما يردد " أنا متفق مع الرفيق ستالين فى كل ما يقول " ( يهيأ لى أن حكومة انقلاب يوليو قد اتخذت إجراءات مشابهة لذلك من أجل إصلاح البرلمان المصرى )

ولا يختلف فى ذلك المستبد السياسى عن الدينى
كما يذكر الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين " نحن جماعة المؤمنين وأهل الحل والعقد فى الإسلام" ---- "شعارنا دائما أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة"
فذلك الشاب الذى قتل المفكر فرج فودة لا يعرف سبب قتله لأنه لم يقرأ كتبه ولكن قيل له أن ذلك الرجل كافر لابد أن يموت.لم يكن عليه إلا التنفيذ.( لو قرأ من كتبه شيئا ربما غير رأيه )
حتى داخل الكنيسة سهل جدا أن نجد ذلك المستبد الذى يستغل سلطان الحل والربط ليتحكم فى الناس ويظن أنه يتحدث باسم الله " كلام الله يأتينا على فمه " فمن من الناس يمكن أن يعترض على كلام رجل الله عفوا أقصد كلام الله؟

والشئ المصاحب لغياب الوعى هو انتشار الأيديولوجيات كتعويض عن الخلل التفكيرى الموجود عند العامة (كالنرجسية التى تصاحب الخلل النفسى ) وقد تكون الأيديولوجيا هى الوسيلة لتغييب الوعى والهروب من الواقع فهى تجرد الإنسان من التفكير والإبداع وتحوله إلى آلة للدفاع عن آراء جامدة وهى كفيلة لتوجيه طاقة الغضب تجاه الخارج بدلا من مواجهة الذات وإصلاح الداخل

ومن أدوات الأيدولوجيا نظرية المؤامرات الخارجية
- استحدمها ستالين ليوهم الشعب الروسى أنه حامى حماهم وهو الراعى الصالح الذى ينقذهم من الذئاب الخارجية من الخونة والجواسيس أعداء الشيوعية وأعداء الشعب الروسى الذين يريدون إيذاءهم لذلك فوضه الشعب للقضاء على هؤلاء العملاء الوهميين الذين كشف لهم خروتشوف فيما بعد أن هؤلاء لم يكونوا ضد روسيا ولا ضد الشيوعية بل كانوا فقط ضد ظلم ستالين ( نفس الخطأ يقع فيه الشعب العربى الآن عندما يخون كل من يمد يده للخارج لمساعدته للقضاء على فساد الداخل فهؤلاء ليسوا خونة ولا عملاء ولا ضد الشعب العربى بل هم ضد الأنظمة الحاكمة الفاسدة)

- واستخدمها هتلر ليقود الألمان تجاه الحرب فقد شجع على إنتاج أفلام سينمائية تصور الشعب الألمانى الطيب الذى يلاقى القسوة والاضطهاد من الأجناس الأخرى لذلك فوضه الشعب ليطهر ألمانيا من رجس تلك الأجناس ( نفس الأسلوب المتبع فى السينما العربية التى تصور طيبة وإخلاص العرب مقابل إجرام وغدر اليهود فكراهية اليهود نابعة من الميديا العربية ومن مكبرات المساجد وليست فقط من أفعال اليهود فهناك عنف متبادل من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى فلماذا إذن نبارك " زيد" ثم نلعن "عبيد"؟ )

- واستخدمها حسن البنا عندما انقلب القصرعليه وكشف الوجه القبيح لأهداف حركة الإخوان المسلمين ومسئوليتهم عن عمليات تخريب داخل البلد فقد قال البنا "هناك دسائس خارجية وأصابع خفية كاليهودية العالمية والشيوعية الدولية .الاستعمار أنصار الإلحاد والإباحية تستهدف الإخوان"

- يستخدمها العرب لتفسير أى ظاهرة يعجزون عن تفسيرها علمية كانت أوأدبية فنية كانت أو فلسفية فتلك النظرية تمتلك الحل السحرى لأى مسألة رياضية مهما كانت معقدة ابتداء من هجوم السحابة السوداء فى الجو وانتهاء بغزو البعوض للمصايف على الأرض فالسر هو مؤامرات من جهات خارجية وربما أيضا من كائنات فضائية

- قد يستخدمها رجل الدين المسيحى إذا عجز عن تقديم حل عملى لمشكلة ما فيقول " إنها من حروب الشيطان" وهو بذلك ينقل المشكلة إلى عالم مجهول ويصور لنا تلك القوى الغيبية بصورة ضخمة لها القدرة للسيطرة علينا فكيف يمكن للشيطان أن يعوق تفكيرنا عن حل مشاكلنا رغم أن الرسول بولس يقول عنه أننا لا نجهل أفكاره "2كو11:2"

ومع غياب الوعى وانتشار الأيديولوجيا تلقى تلك النظرية رواجا كبيرا مثلما حدث فى مصرفى سبعينات القرن الماضى عندما أخرج المتطرفون الإسلاميون مسرحية هزلية (وزعت فى منشورات ) تقول أن بابا الأقباط يدبر مؤامرة لتقليص عدد المسلمين فى مصر وذلك بتحريض الأطباء الأفباط على إهمال مرضاهم من المسلمين ورغم أن الموضوع لا يعدو أن يكون سوى " نكتة سخيفة " إلا أن تلك المنشورات لاقت رواجا وكانت الشرارة الأولى لأحداث الفتنة الطائفية بعد أن أغلقت حكومتنا الموقرة عينيها عن فضح تلك المنشورات وتوعية الرأى العام

وسيطرت الأيديولوجيا العرقية على تفكير الألمان فى وقت النازية (سيادة الجنس الآرى ذو الأعين الزرقاء والشعر الأصفر) والأيديولوجيا الاشتراكية فى روسيا بعد الثورة البلشفية والأيديولوجيا القومية سيطرت على المصريين أيام عبد الناصر والأيديولوجيا الدينية منذ زمن بعيد كانت وما زالت تسيطر على تفكير المجتمع الشرقى بكل طوائفه وفى مصر على سبيل المثال منذ بدايات الألف الثانية ونحن يحكمنا أجانب فقد حكمنا المماليك بالاستبداد والفساد وكانوا مشغولين بالصراع على السلطة كلما اعتلى أحدهم الحكم قتله آخر وحل بدلا منه فانتشرت القلاقل والاضطرابات ولم يحرك أحد ساكنا ثم جاء العثمانيون وعندما فرضوا سيطرتهم نهبوا خيرات البلد ونشروا الجهل وفرضوا العزلة ولم يعترض أحد وإن حدث وثار الشعب فهو يثور مطالبا بالعدل وليس الحرية أو الاستقلال ولكن عندما جاءت الحملة الفرنسية ثار المصريون عن بكرة أبيهم حتى أجبروها على الرحيل أما ما يثير السخرية فهو أن الطريق كان مفتوحا أمام المصريين ليحكموا أنفسهم ولكنهم أبوا إلا أن يرجعوا بكامل إرادتهم للحكم العثمانى ( رغم كل ما عانوه منهم فى الماضى ) وكأنهم اعتادوا على العبودية ورضوا أن ترجع مصر ولاية عثمانية تابعة لسلطان الآستانة.
ولما لا؟ ما دام هذا السلطان ينطق بالشهادتين!!!

د. ماركوس ملطى عياد

لعن الله ساس ويسوس

السياسة هى حجر الزاوية لكل مجالات الحياة فنحن نأكل ونشرب ونتنفس سياسة البعض يعتبرها لعبة قذرة والبعض يسميها فن الممكن ولكنها هى الحياة لا بد أن نتقبلها بكل مساوئها فالدولة تعنى سياسة وحتى المؤسسات الدينية التى تفصل بين الدين والدولة لا بد أن يكون لها لون سياسى والسياسة ليست شرا بل هى نظام يحرك دفة القيادة ولكن البشر قد يستغلونها فى الشر
طبيعة الإنسان بما يحمله من تناقضات وتسلط وخداع ولعب بالألفاظ وقسوة وجنون وغرائز وميول ومصالح ومبادئ تظهر فى رجل السياسة وخصوصا فى الأنظمة الديكتاتورية التى يكون فيها الحاكم فوق القانون فيطفو بغرائزه على السطح يتعامل مع الموقف بدون ضوابط تحكمه فالسياسة تظهر طبيعة الإنسان الذى لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكون ملائكيا بل مجرد كائن بشرى شديد التعقيد وحشى أحيانا ومروض أحيانا أخرى
وإن كانت السياسة عند البعض لعبة قذرة فإن الأنظمة الديكتاتورية تغلف قذارتها السياسية بشعارات قومية أو طائفية فتضفي عليها القداسة وبريقا من الشرعية المزيفة أما باطن تلك الشعارات فهو المصلحة الخاصة لهؤلاء السياسييين
- فى العراق نجد مسعود برزانى الزعيم الأوحد للحزب الديمقراطى الكردستانى يرفض بشدة رفع العلم العراقى على المناطق الكردية بدعوى أن تحت هذا العلم قام النظام الصدامى البائد بعمليات إبادة ضد الأكراد رغم أنه هو نفسه الذى قام فى عام 1996 بالاستعانة بالحرس الجمهورى للنظام البائد ضد غريمه جلال طالبانى الزعيم الأوحد للاتحاد الوطنى الكردستانى
- فى لبنان نجد الزعيم الدرزى وليد جنبلاط الذى يلعب على القومية اللبنانية وعدم الوجود السورى كان
والده كمال جنبلاط يلعب على القومية العربية ودعم الوجود الفلسطينى فى لبنان رغم أنه كان بمثابة
دولة داخل الدولة وسبب الكثيرمن المتاعب للبنانيين.
- سوريا التى كانت ترفض الخروج من لبنان حتى وقت قريب وبررت ذلك بأنها الوحيدة التى ضحت
لتحمى الموارنة المسيحيين من بطش المقاومة الفلسطينية هى نفسها التى ساندت الفلسطينيين ليجعلوا
من لبنان أرض المعركة ضد الإسرائيليين. وهى التى دعمت موقفهم داخل البلد وضد الموارنة وكانت
حلقة الوصل التى تمدهم بالسلاح والمؤن والتمويل المادى وهى بعد ذلك التى دخلت لبنان تحت غطاء
حماية الموارنة من المذابح وأيدتها الولايات المتحدة من أجل كسر عظام المقاومة الفلسطينية " يعنى
قتلت القتيل ومشت فى جنازته"
- فى إيران رجل الدين على خامنئى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية نجده من أكثر تيار المحافظين تشددا فى النظام الحالى رغم أنه هو نفسه الذى كان يقود التيار الإصلاحى المعتدل عندما كان الخومينى المرشد الأعلى للثورة وكان هو رئيسا للدولة
- عرفات الذى وقف مصفقا للقائد الملهم صدام حسين عندما أطلق يد جنوده على جارته الكويت هو نفسه الذى كان يتلقى دعما ماديا وسياسيا من الكويتيين بل لقد أنقذوه من براثن الجيش الأردنى بعد أحداث أيلول الأسود عندما هرب من الأردن متنكرا فى زى دبلوماسى كويتى
- المجاهدون الأفغان بعد أن نجحوا فى تحرير أراضيهم من الاحتلال الروسى جاهدوا ضد بعضهم البعض
- الثوار الجزائريون استرخصوا دماء أكثر من مليون ونصف المليون جزائرى فى سبيل استقلال الجزائر ولكن بمجرد انتهاء الاحتلال سرعان ما ثاروا بعضهم على بعض فى سبيل الوصول لكرسى الحكم حتى كاد الموقف يتفجر إلى حرب أهلية
- ثوار يوليو بعد أن زغللوا عيون الشعب المصرى بشعاراتهم البراقة قاموا بفض الصداقة التى جمعتهم وسرعان ما تفجرت الصراعات بينهم فى سبيل السلطة
- ما أن وصل السادات للسلطة حتى دبر له أصدقاء الكفاح فى ثورة يوليو المؤامرات ليزحزحوه عن مكانه ولكنه " اتغدى بيهم قبل ما يتعشوا بيه"
- عندما قرر السادات دخول حرب أكتوبر وضع رجلا بينه وبين الموت شهور قليلة وزيرا للدفاع وهو المشير أحمد إسماعيل فإن انتهت الحرب بالنصر مات الوزير وبقى السادات بطل الحرب وإن انتهت الحرب بالهزيمة مات الوزير متحملا مسئولية التقصير والهزيمة وحده
- الشارع العربي الذى خرج فى مظاهرات مليونية صاخبة منددا بالغزو الأنجلوأمريكى على العراق
تحت شعار التعاطف مع الشعب العراقى لم يحرك ساكنا إزاء ما اقترفه صدام أوما تفعله حاليا المقاومة
المزعومة فى الشعب العراقى وحتى الآن لا يعترف أن ما يحركه ليس تعاطفا إنسانيا بل نوازع
أيديولوجية تجعله يثور لأنه يرى دولة غريبة عن دينه وعن قوميته تتحكم فيه
فى النهاية فإن الجميع يلعبون على المصالح ويغلفون أنفسهم بالشعارات ومثل هؤلاء يجدون مناخا مناسبا فى الدول الاستبدادية أو أنصاف الديمقراطية وكلما ارتفع صوتهم وازدادت الشعارات بريقا يتناسى الناس المصالح التى يخفيها رجل السياسة عن أعينهم أما فى الأنظمة الديمقراطية فرجل الدولة خاضع للقانون وسياسة الدولة تعبر عن المصلحة العامة وتتمتع بالشفافية وحتى السياسات اللا إنسانية يلعبونها على المكشوف فونستون تشرشل يصف السياسى بأنه لا أصدقاء دائمين له ولا أعداء دائمين بل مصالح دائمة وأكد هارى ترومان ذلك عندما قال أن سياسة بلاده أن تتحالف مع أى نظام مهما كان نظاما استبداديا فى سبيل مواجهة الشيوعية وهذا ما قد حدث فقد دعمت الولايات المتحدة أنظمة استبدادية وتركتها تعيث فسادا مع شعوبها ولكن بعد أن انتهى الخطرالشيوعي غيرت الولايات المتحدة سياستها وتخلت عن حلفائها المستبدين من أمثال بينوشيه فى شيلى وسوهارتو فى أندونيسيا
وفى لعبة الكراسى المتحركة هذه من يخرج من الدائرة يكون عقابه الموت الفعلى أو الأدبى ملحقا بتلال من التهم الحقيقية أو الملفقة وقديما عندما انبعثت الثورة العرابية لقت ترحيبا وتأييدا من مفكرين ومثقفين وسياسيين ممن يتبعون مذهب "اللى تغلب بيه العب بيه" وطبعا بعد أن باءت الثورة بالفشل لفقوا للثورة كل تهم التهور والغباء والخيانة وصارت ثورة عرابى هى المسئولة عن الاحتلال الإنجليزى أما الرجل المستنير الذى أقدره الشيخ محمد عبده قالها صراحة بعد فشل الثورة "لعن الله ساس يسوس"



د.ماركوس ملطى عياد