رد على رأى الخادم المكرس صموئيل بولس فى موضوع الطلاق
عزيزى الأخ الفاضل تحية ومحبة وسلام
لقد أصبت بإحباط كبير من ردود القراء المتشنجة على مقالى السابق (كنيستنا القبطية وقضية الطلاق) ولكن بعد أن قرأت مقالك فى ذات الموضوع قررت أن أكتب مرة أخرى لأوضح بعض النقاط التى ربما لم تصل للقراء يصورة صحيحة وأنا بالمناسبة أتابع مقالاتك وأرجو لك من الله التوفيق فى خدمتك
لن يختلف اثنان أن الوصية مقدسة ومطلوب منا أن نحفظها وهذا ما يأمرنا به الكتاب المقدس كما تفضلت وذكرت فى مقالك ولكن نقطة الخلاف هى كيفية حفظ الوصية فاليهود كانوا يحفظون السبت ولكن المسيح اعترض لأنهم يحفظونه بحرفية خالية من الرحمة والانسانية كما أنهم كانوا يحفظون الأصوام وهذا لم يرض الله الذى وبخهم عن طريق إشعياء النبى لأن أصوامهم خالية من أعمال البر والرحمة "أش5:58-7"
وأنت تعلم جيدا أن الكنيسة الأولى ومنذ عهد الآباء الرسوليين وهى حريصة على أن تفسر الكتاب المقدس بطريقة روحية وليست حرفية ولو حدث وتمسكت بظاهر النص فكانت ستقع فى أخطاء كثيرة مثل التى وقع فيها أوريجانس فلا يمكن أن نفسر أن الخد الآخر يعنى أن نكون ملطشة ولا الميل الثانى يعنى الذل والخنوع ولا التسامح يعنى التنازل عن كرامتنا وإن كنا نأخذ نصوص الكتاب على ظاهرها فهذا يعنى أن موقع الأقباط متحدون يناقض مبادئ الإنجيل وأن مطالبتنا بحقوقنا السياسية هى بدعة وخروج عن النص الكتابى ولو لجأت الكنيسة إلى التفسير الحرفى لوجدنا أن الكتاب المقدس يناقض نفسه وعلى سبيل المثال نجد المسيح يطلب منا قلع العين أو قطع اليد التى تكون مصدرا للعثرات ثم يكمل "خير لك أن تدخل الحياة أعور أو أعرج ......من أن تدخل جهنم ولك عينان أو يدان"مت8:18-9 ومؤكد يا عزيزى الفاضل أنك تعلم أننا فى الأبدية سوف نقوم بأجساد نورانية روحانية وليست مادية "1كو44:15" وبالتالى لن يكون فيها أعين مفقوعة أو أيدى مقطوعة وهكذا لزم على الكنيسة أن تفسر تلك الآية وغيرها بطريقة رمزية وأن تبحث عن الغاية من الوصية 1تى5:1 وأن تبحث عن روح النص أو ما يسميه المسيح " أثقل الناموس " الرحمة والعدل والإيمان فالوصية بالمعنى الظاهرى بدون رحمة وعدل سوف تصبح باطلة وهذا ما حاولت أن أصل إليه فى المقال السابق ولكى أوضح لك أكثر أريدك أن تتخيل معى تلك القصة وتحكم عليها بالنص مرة والعقل مرة أخرى .
تخيل يا أخى الفاضل أن هناك زوج قاسٍ ذو شخصية سيكوباتية كان يعامل زوجته كما لو أنها دمية يريد التسلية بها ، كان يقسو عليها بكل وسيلة ممكنه ، وبعد فترة ، شعر بالملل من تلك اللعبة وأراد طلاقها وعندما باءت محاولاته بالفشل ازداد عليها فى قسوته ، حتى ساءت حالتها النفسية وفى المقابل كان لهذه الأسرة جار تظاهر بالتعاطف مع الزوجة واستغل حالتها المنهارة ليستميلها عاطفيا وأخيرا أخطأت معه ولكنها شعرت بالذنب الشديد ومن فرط سذاجتها لم تسامح نفسها وصارحت زوجها طالبة الصفح عما فعلته وهو بدوره استغل إعترافاتها ليحقق رغبته السابقة وفعلا تحقق له الطلاق وعلى حسب تفسير الكنيسة للنص فإن هذا الرجل هو المجنى عليه ويحق له الزواج مرة أخرى ، أما زوجته فهى الجانى ولا يحق لها ذلك .
فهل ترى يا عزيزى أن النص هنا حقق الغاية من الوصية : الرحمة والعدل والإيمان أم أصبح النص يخدم الباطل ؟؟؟؟؟؟؟ .
ألا ترى يا أخى أن النص هنا حول الشخص القاسى الأنانى السيكوباتى إلى ضحية فى ذات الوقت الذى حكم فيه على الضحية بأنها الجانى رغم أنها لم تخطىء إلا بعد أن احتملت عذابا هذا مقداره ؟؟؟؟؟؟.
أليس هذا ما كان يوضحه بولس الرسول فى رسائله أن الناموس يحكم علينا بدلا من أن يعطينا الحياة ، وهذا ما ذكرته بالتفصيل فى مقالى السابق ؟؟؟؟.
أريد أن أسألك سؤالا آخر قد يثير استيائك : لو كان المسيح موجودا اليوم هل كان سيرضى بهذا الحكم ؟؟؟؟ .
أعلم أنك ستعترض وتقول أن المسيح معنا كل يوم وإلى إنقضاء الدهر ، حسنا ، ولكن إصرار الكنيسة على عدم الإجتهاد يعنى ضمنا أننا لا نعترف أن المسيح الحى هو الذى يدير الكنيسة الآن بل تدار عن طريق وصايا إنسان مات وبالتالى لا يستطيع أن ينطق بوصايا أخرى لأنه الآن غير موجود وأضيف إلى هذا الاتهام اتهاما آخر وهو تعامل الكنيسة مع مشاكلنا بما يحقق المظاهر فقط فهى تسمح بالطلاق لو قام أحد الطرفين بإنكار الإيمان وإنكار الإيمان فى عرف كنيستنا هو أن يتخلى الشخص عن لقب مسيحى فى أوراقه الرسمية رغم أن الكتاب يقول" إن كان أحد لا يعتني بخاصته ولا سيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان وهو شر من غير المؤمن" 1تيموثاوس 8:5 فكنيستنا تعاقب من يتخلى عن لقب مسيحى بصورة رسمية على الورق ولا تعاقب من ينكر بأفعاله إيمانه
فلا بد أن نعود إلى الهدف من الكتاب المقدس ونتعامل معه بالروح وليس بالحرف ، ونبحث عن الغاية من الوصية .
لا ينبغى أن نحمل الناس فوق طاقاتهم مدعين أن هذا سمو وترفع عن الغرائز ، وإلا فما كان من بولس الرسول ان يقول أن لكل إنسان موهبته الخاصة من الله 1كو7:7 .
نحن نحمل الناس فوق طاقتهم وندعى أن هذا هو الباب الضيق ، ومصطلح الباب الضيق مصطلح عام وفضفاض ، قد لا نعرف الحدود الحقيقية بينه وبين القسوة ، ومن الممكن أن نستخدمه كذريعة لنغطى على جمودنا وحرفيتنا ، وإن كان كذلك ، ألم يكن أجدر بالمسيح أن يأمر تلاميذه باحتمال الجوع وعدم الأكل من الزروع يوم السبت ليدخلوا من الباب الضيق ؟؟؟ .
والمسيح الذى أوصى بالمحبة والتسامح هو نفسه أوصى أن نتعامل مع من يخطئ إلينا كما لو كان وثنيا أو عشارا طالما أنه لا يأبه بأى عتاب أو بوساطة أى أنه كان حريصا ألا يحمل الناس فوق ما يحتملون "مت15:18-17" وبنفس المعنى ينصحنا بولس الرسول "إن استطعتم فعلى قدر طاقتكم سالموا جميع الناس"رو18:12
أما إذا نظرنا إلى الإصحاح السابع من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس فسوف نجد بولس الرسول يبرز بوضوح الصورة التى أريد أن أوصلها للقراء فهو يذكر الناس بالقاعدة التى وضعها المسيح أنه لا طلاق للمتزوجين (أما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب ألا تفارق المرأة رجلها ....) ثم يتطرق إلى مشكلة خاصة واجهت الكنيسة وهى أن أحد الزوجين ليس على الإيمان ويريد الانفصال فيقول (وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب .......ليس الأخ أو الأخت مستعبدا فى مثل هذه الأحوال ..........) ثم يذكر فى النهاية (وأظن أنى أنا أيضا عندى روح الله)
وملخص ذلك أن الوصية مقدسة يجب أن نحفظها بشرط أن تحقق الغاية من عدل ورحمة وإيمان وإذا لم تحقق الغاية يجوز أن نجتهد فيها بالروح القدس وبالسلطان الذى أعطاه المسيح للكنيسة ونضع بعض الشواذ عن القاعدة بما يحقق الغاية من الوصية
وأخيرا أرسل لك جزيل تحياتى وأرجو لك موفور الصحة والتوفيق فى خدمة المسيح وأتمنى من القراء الأعزاء أن يترفعوا عن كيل الاتهامات أو التعامل حسب الألقاب فالجدال الصحيح هو الذى يبنى الأفكار ويقابل الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق والبرهان بالبرهان وهذه فى النهاية وجهة نظرى قد تحتمل الصواب أو الخطأ أو التعديل ولا يستطيع أحد أن يحتكر الحقيقة لأن الحقيقة المطلقة هو الله
ولا يسعنى سوى أن أشكر موقعى المفضل موقع الأقباط متحدون الذى يتيح الفرصة لنا جميعا لكى نناقش مشاكلنا بروح المحبة والتسامح وليس من المعقول أن نطالب رجال السياسة بحرية أكبر للأقباط بينما يمارس الأقباط التسلط والاستبداد الفكرى الذى لا يعطى فرصة للرأى الآخر أن يطرح أفكاره
د.ماركوس عياد جورجى
