الأربعاء، أكتوبر ١٩، ٢٠٠٥

لماذا يكرهوننا ؟


اسمحوا لى أن أقدم بعض انطباعاتى عن أحداث الفتنة التى اشتعلت فى محرم بك بمدينة الإسكندرية بمصر


*لماذا يكرهنا شركاؤنا فى الوطن لهذا الحد هل نملأ جرائدنا بأكاذيب وإفتراءات عن دينهم دون أن نعطيهم حق الرد عليها؟هل نستميل بناتهم ليتركن دينهن؟ هل نغريهن عاطفيا وماديا؟ هل ندعو علي المسلمين جهارا عيانا داخل كنائسنا أو فى صلواتنا ؟ هل نطبق عليهم قوانين مستقاة من شريعة لا يؤمنون بها ؟هل نستحل دماء أى مسيحى يريد أن يتحول إلى الإسلام ونتهمه بالكفر ؟ هل نطالبهم بأكثر من الحقوق الطبيعية التى يريدها أى إنسان يعيش فى عصر حقوق الإنسان ؟ وما قيل فى هذه المسرحية لا يزيد عما يمثله الفنان عادل إمام وما يؤلفه الروائى وحيد حامد فى كثير من الأعمال الفنية؟ فلما كل هذه الثورة؟ وكيف تجمع ما يزيد عن 5 آلاف تاركين كل أعمالهم أو حتى صلواتهم واعتكافاتهم فى هذا الشهر الكريم متفرغين لمثل تلك الألفاظ النابية والشعارات الغوغائية رغم أن أغلبهم لا يدرون لأى شئ قد اجتمعوا ولكن يجمعهم قاسم مشترك اسمه التعصب الأعمى ناهيك عن ألفاظ السباب والشتائم التى ما زالت تصم آذاننا فى كل مكان نحل به والشائعات التى لن تنتهى فى مقابل صمت القبور من المسئولين الذين يظنون أنها مشكلة من أرض الواق واق أو خبر جاء من المريخ وما زال التحريض مستمرا حتى الآن والتوتر فى تزايد ويصل إلى مسامعنا كل ساعة عن مظاهرات جديدة أو توابع سوف تتكرر فى الأيام القادمة ورغم أننى اختلفت مع معظم الأقباط الذين ثاروا ضد فيلم "بحب السيما" إلا أنهم أظهروا شيئا من التحضر عندما لجأوا إلى القضاء وليس للوسائل البدائية الغريزية للمطالبة بمنع تداول هذا العمل الفنى ولا أذكر أن من بين مطالبهم تقديم اعتذار رسمى وإلا........

*لا يا قداسة البابا ليس هذا هو الحل
طالعتنا صحيفة الكرامة فى عددها الرابع الصادر بتاريخ 18/10/2005 أن البابا يتجه لمعاقبة مؤلف مسرحية (كنت أعمى والآن أبصر ) والتى ثارت بسببها مشكلة منطقة محرم بك الأخيرة فى الإسكندرية وهو شماس فى الكنيسة وربما يلجأ لمعاقبة القس المسئول عن عرض المسرحية لأن البابا رفض عرض المسرحية من عامين. وإن كان سيناريو المسرحية مسروق من عشرات الأفلام والمسلسلات الموجهة للإرهاب حسب تعبير نفس الجريدة فلما نلجأ إلى تكميم الأفواه؟ لماذا يصمت المظلوم ترضية للظالم ؟ لما لا نناقش القضية بحيادية ونبحث عن السبب الحقيقى وراء تلك الفتنة بدلا من أن نلجأ لهذا النوع من الخنوع وجلد الذات ؟


*أما حان الوقت لهؤلاء الموهومين المدعين بوجود شئ اسمه الوحدة الوطنية أن يفيقوا من غيبوبتهم ويتكاتفوا معنا لنبحث عن طريقة نخلق بها هذا المصطلح على أرض الواقع؟ مصر ليست هى الوحدة الوطنية بل هى التعصب والتمييز وما يقال من إدعاءات عن تلك الوحدة المزعومة فى المناسبات الرسمية وأمام الكاميرات هو محض خيال ويقال عكسه فى المجالس الخاصة وفى البيوت وداخل المخادع وما ينسب من تعصب إلى قلة قليلة من الدعاة يلقى رواجا وارتياحا من العامة لقد عودنا الكتاب القوميون أن نستخدم المصطلحات فى عكس معانيها فعدم وجود وحدة وطنية يعنى عندهم أنها موجودة فعلا ودعوتنا نحن الأقباط لإلغاء التمييز الطائفى يعنى عندهم أننا نبحث عن تمييز طائفى المشكلة يا سادة يا كرام ليست سوء تفاهم بسيط أو مجرد حادثة عابرة المشكلة فى الأساس ليست موقف بل حالة مرضية تعالجونها بمسكنات ولا تلبث من آن لآخر أن تظهر أعراض هذه الحالة المرضية لأننا لا نريد معالجة جذورها من فضلكم استأصلوا ذلك المرض الخبيث من الإعلام والتعليم اخرجوه من مساجدكم من أجل مصر إن كنتم فعلا تحبونها


*كلمة أخيرة أقولها للصحفيين الذين احترفوا تسخين الحطب الطائفى يا كتاب جهنم اتقوا الله فيما تكتبون والتزموا بقيم مهنتكم فأخلاقيات الصحافة تلزم الكاتب أن يتحرى الدقة قبل النشر وعندما يتحرى الدقة لا بد أن ينشر الحقيقة بدون مبالغة وعندما ينشر الحقيقة بلا مبالغة ينبغى أن ينشر الحقيقة كاملة من كل الزوايا وعندما ينشر الحقيقة كاملة لا بد أن يعرضها بطريقة تهدف لمعالجة الخلل وليس للتحريض على الكراهية

د.ماركوس ملطى عياد

السبت، أكتوبر ١٥، ٢٠٠٥

يعنى إيه كلمة وطن؟


يعنى إيه كلمة وطن؟

أكتب هذا المقال ردا على الحملة الشرسة التى نتعرض لها نحن الأقباط بسبب بحثنا عن حلول عملية لمشاكلنا حتى لو كان ذلك عن طريق تدويل المشكلة القبطية وإذا نظرنا إلى حال الكتابات العربية سنجد أن معظمها تعبر عن حالة من الشيزوفرينيا الفكرية التى تجعلنا نعيش فى أحلام اليقظة بدلا من الواقع وهذا يتضح فى استخدام المصطلحات السياسية وما بين الزرقاويين وشعاراتهم والكتاب القوميين نجد ارتباطات بالية بالقديم فهم ما زالوا يعانون من لوثات الماضى يتنقلون بين جنبات التاريخ تارة فى عصر الحجر وزمن الغابة وتارة أخرى فى فترة السيوف والخناجر وسلب الغنائم ونحر الأبدان ثم يتحولون إلى لعن الاستعمار و يدعون للمقاومة وينادون بالجلاء يحذرون من الصهيونية ويلقون الخطب الجهادية والوطنية ومع حماسة كلماتهم تتوه المعانى لنجد أنفسنا نستخدم ألفاظا كوميدية لاستقطاب المشاعر بدلا من البحث عن حلول واقعية

ماذا تعنى كلمة وطن؟
*الوطن هو شعار يرمز إلى سيادة المواطن وحريته. المواطن هو الحقيقة أما الوطن فهو رمز يخدم الحقيقة ويشير إليها
فى النظام الشمولى نجد أن الوطن يرمز إلى النظام الحاكم أو الفرد الحاكم. فهذا لويس الرابع عشر كان يقول "الدولة هى أنا" وفى الحرب العالمية الثانية كان هدف اليابانيين واضحا وشعارهم هو "عاش الإمبراطور" وفى ألمانيا كانوا يقولون "ألمانيا هى هتلر وهتلر هو ألمانيا" وفى روسيا هتفوا" فى سبيل ستالين ...... لسنا نحن بل ستالين" وفى مصر عندما يواجه الرئيس الراحل السادات منتقديه الخارجيين كان يقول"دوول بيشتموا مصر... دوول بيكرهوا مصر" وفى أى بقعة عربية اعتدنا سماع شعار "بالروح بالدم نفديك يا........."

أثناء مجزرة الكشح المؤسفة فى صعيد مصر أرسل نيافة الأنبا ويصا فاكسات استغاثة إلى الإذاعات الأجنبية فتناسى كتابنا الأشاوس الضحايا الأبرياء وكالوا الاتهامات إلى نيافة الأسقف متسائلين "أين حبه لمصر؟ كيف يشوه سمعة مصر؟" ونفس التهمة توجه لأقباط المهجر ولكبير أقباط المهجر وكثير من الليبراليين سواء كانوا فى الداخل أو فى الخارج
إن كان الوطن هو المواطن فهؤلاء المتهمون هم شرفاء وطنيون يدافعون عن مصر أما إن كان الوطن هو السلطة فهم بذلك يسيئون إليها فأيهما أولى بأن يكون الوطن؟ وإلى من ينبغى أن ننتمى؟


د. ماركوس عياد جورجى

الاثنين، أكتوبر ٠٣، ٢٠٠٥

أيها المسلمون: من أين نبدأ لننهى الصراع؟

أيها المسلمون: من أين نبدأ لننهى الصراع؟

صراع تيارات فكرية على أساس الحضارات
الحضارة مصطلح له تعريفات ومعانى كثيرة ومن بين هذه التعريفات هذا التعريف المنقسم إلى شقين

الشق الأول: شق وصفى يقصد به مجموع الحياة التى يعيشها شعب واحد أو شعوب عدة بما تضم من نظم للحكم وسبل فى تحصيل المعاش وعلاقات اجتماعية وخبرات عملية وقواعد سلوكية ومقومات أخرى

الشق الثانى: فهو شق تقييمى يقصد به مدى الإنتاج فى شتى المجالات الفكرية والعلمية

الحضارة بمعنى المنتج الفكرى والمادى (وهو الشق الثانى من التعريف السابق) غير موجود فى العالم الإسلامى عموما فهذا العالم حتى الآن يعتبر عالة على الحضارة الكونية الحديثة ( الحضارة الحالية ليست غربية لقد نشأت فى الغرب ولكنها صارت حضارة كونية متاح فيها لأى دولة أن تضيف إلى هذه الحضارة لذلك فهى تختلف عن الحضارات السابقة التى إذا ما ظهرت واحدة منها فهذا يعنى اختفاء الأخرى ) ففى أقصى الغرب تقوم الولايات المتحدة بإصدار ما يزيد عن 30% من الإنتاج العلمى فى السنة وهذا يقارب ما تصدره دولتان صغيرتان من حيث المساحة فى أقصى الشرق وهما اليابان وكوريا الجنوبية وهم مجتمعين يشكلون مع أوروبا حوالى 95% من الانتاج العلمى فى العالم بينما العالم الإسلامى لا يمكننا بأى حال من الأحوال اعتباره أنه يعيش حالة إنتاج مادى ولا حتى إنتاج فكرى فمعظم الإبداعات الفنية والأدبية وباقى العلوم الأكاديمية تأتى لنا من الخارج
أما الحضارة بمعنى القيم والتقاليد السائدة فى المجتمع "الخصوصية الثقافية" (وهو الشق الأول من التعريف السابق) فنستطيع أن نقول أن العالم الإسلامى يعيش حضارة أو ثقافة أصولية راديكالية رجعية تقليدية تقف عند ظاهر النص متجمدة لا تريد أن تغير فى معانيه تمجد الذات وتقدس التاريخ والتقاليد وتؤمن بالمسلمات تحن للماضى وتنظر له نظرة شوفينية (تقديسية) ولا تعترف بأى دور أو حتى بوجود للآخر تعتمد على الغيبيات أكثر من اعتمادها على المنهج العلمى العقلانى وهذا هو سر التخلف المستشرى فى هذا العالم بعكس الخصوصيات الثقافية الموجودة فى معظم المجتمعات الغير إسلامية فهذه الثقافات على تنوعها إلا أنها استطاعت أن تندمج وتمتزج معا فى وعاء دولى يعبرعن الاحتياجات الانسانية عامة وكل مجتمع احتفظ بهويته ولكنه منفتح ومتسامح مع باقى الهويات وواضح أن هنتنجتون فى نظريته صراع الحضارات يقصد الحضارة بمعنى الخصوصية الثقافية أى أنه صراع نتيجة اختلاف ثقافى بين الحضارات أو صراع التيارات الفكرية المسيطرة على الثقافة بين الحضارات أحدهما تيار فكرى أصولى ( العالم الإسلامى ) والآخر تنويرى متحرر من أى قيود فكرية ومتأقلم مع المتغيرات ( متمثل فى باقى العالم بقيادة الولايات المتحدة باعتبارها القائد لهذا العالم حتى الآن)
أنواع من الصراع بين الفكر الأصولى والفكر التنويرى
وإن اعتبرنا أن هذا الصراع هو بين التيارات الفكرية سنكتشف أنه صراع قديم ظهر على مر العصور بل هو فى الأساس صراع داخلى فى عقل الإنسان الواحد هو صراع بين مساحة من المرونة فى التفكير وأخرى من الجمود الذهنى عند نفس الشخص أو بمعنى آخر هو صراع ما بين رغبته فى الحرية والانطلاق فى التفكير والإبداع وفضوله لكشف المجهول وما بين رغبته فى الالتزام بأوامر ونواهى وتقاليد يعتقد أنها صادرة من كائن غير مرئى موجود خلف الطبيعة ويحكم مملكة البشر بالترهيب والاستبداد يرصد تصرفاتهم ويسخط على رغباتهم الحسية وغضبه يظهر فى كوارث الدنيا وعذاب الآخرة أو يمكن أن نقول أنه صراع بين خوف الإنسان وبين رغبته فى التحرر من هذا الخوف بينما إن حاول الإنسان البحث عن سبب هذا الصراع سيكتشف أنه نجم عن وجود مكونات غيبية ومسلمات لا تتغير مع الواقع رغم حاجة الإنسان باستمرار إلى التغيير والتجديد ليستطيع أن يعيش فالحيوانات نفسها تغير من خرائطها الجينية لتصارع البقاء كما أن هذه المسلمات تختلف باختلاف البشر ومعتقداتهم ولا يستطيع اثنان أن يكونا عنها فكرة موحدة أو نهائية ويختلف البشر فيما يعتقد أنه سئ أو أنه حسن فيما هو شر وما هو خير. وإن لم يتم حسم هذا الصراع داخل الشخص الواحد وقتها سيتوقف العقل ويصاب بالجمود فتبدأ الأصولية تطفو على السطح وبصورة تلقائية ينتقل الصراع إلى الخارج ليشمل دوائر أكبر.

كذلك نجد هذا الصراع قد يحدث على مستوى الدولة فنجد فى أمريكا حزب جمهورى يمينى محافظ وحزب ديمقراطى يسارى متحرر وفى إيران نجد تيار محافظ وآحر إصلاحى ومع تنامى التيار الأصولى فى الولايات المتحدة فى الربع الأخير من القرن العشرين فى ظل وجود مناطق نفوذ فى ولايات الداخل للتيار المحافظ ومناطق نفوذ فى ولايات الساحل للتيار المتحرر فهذا ينذر بحدوث صراع محتمل بينهما وإن كان مستبعدا على المدى القريب لأن التيار المحافظ لا يستطيع أن يفرض رأيه بالقوة وأقصى ما يمكن أن يقوم به هو توعية الناس وحضهم على الفضيلة المبنية على أساس دينى أما فى إيران فهناك نذير صدام محتمل بين التيارين لأن التيار المحافظ يفرض مبادئه الأصولية بالقوة مما يهدد بتولد الانفجار

ومن الممكن أن يكون هذا الصراع على مستوى الدين الواحد وليس على مستوى الحضارات نجده حدث فى الماضى ومازال يحدث بين الشيعة والسنة وكل منهما يتبادل أدوار الفكر الأصولى ثم نجد فى التاريخ الإسلامى فترات ظهرت فيها بعض الطوائف الأصولية مثل الخوارج الذين فجروا الصراع مع الإمام "على" ثم مع الخلفاء الأمويين وفى المفابل نجد فترات أخرى ظهرت فيها بعض الطوائف العقلانية التنويرية مثل المعتزلة الذين ارتبط عصرهم بتوهج الحضارة الإسلامية وانفتاحها ونقلها عن الحضارات السابقة وفى العصر الحالى نجد هذا الصراع بين الأزهر كمؤسسة ذات أفكار أصولية وبين بعض رجال الفكر المستنير والعلماء والأدباء من أمثال أحمد صبحى منصور ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة ونجيب محفوظ وسيد القمنى
وفى تاريخ الكنيسة القبطية نجد فترات يبرز فيها الفكر التنويرى ويظهر بعض الفلاسفة المسيحيين من أمثال أوريجانوس وإكليمندس الذين عملوا على المواءمة بين الدين والعلم بين العقيدة والفلسفة وفى فترات أخرى نجد سيطرة الفكر الأصولى مثلما حدث فى أيام البابا كيرلس الأول الملقب بعمود الدين الذى هيج الناس ضد الفلسفة مما أدى إلى حرق معهد الموسيون على اعتبار أنه مصدر للفلسفة الوثنية المعادية للدين وتسبب هذا فى انفجار حملة غوغائية قتلت على أثرها الفيلسوفة الوثنية هيباتيا
وهذا النوع من الصراع كان أشد عنفا فى أوروبا بين الكنيسة الكاثوليكية "الأصولية" وبين الكنيسة البروتستانتية "الإصلاحية"

نحن فى حالة صراع حضارات وليس حوار !!
نعود إلى صراع التيارات الفكرية بين الحضارتين أو الثقافتين الإسلامية والكونية فنجد أننا حاليا فى حالة صراع وليس حوارا كما يدعى معظم الكتاب العرب فضرب تنظيم القاعدة للمدمرة " كول" الأمريكية لا أظن أنه نوع من أنواع حوار الحضارات بل هو فى الواقع صراع وكذلك ضرب السفارتين الأمريكيتين فى كينيا وتنزانيا ثم ضرب برجى التجارة فى أمريكا وعندما ردت أمريكا بغزو أفغانستان والعراق فهذا صراع وما يحدث فى العراق مما يسميه معظم الكتاب العرب القوميين مقاومة مشروعة هو صراع وليس حوارا بل تأييدهم لهذه المقاومة المزعومة هو تأجيج لهذا الصراع رغم ما يدعونه من وجود حوار حضارات وعدم وجود صراع فهذه المقاومة لم ولن تلجأ للحوار قبل أن تستخدم العنف لأنها تستخدم العنف من أجل العنف وليس لأهداف أخرى نبيلة والتيار الأصولى بطبيعته يستخدم السيف ولا يجيد استخدام القلم فالأصوليون عنصريون ليس بسبب الأحداث التى تحولهم إلى العنصرية بل هم يستغلون الأحداث ليبرروا كراهيتهم التى رضعوها منذ نعومة أظفارهم

التخلص من الثقافة الأصولية هو أساس إنهاء الصراع
ومن ثم أقول أن الواقع الذى نعيشه هو صراع كما توقع صموئيل هنتنجتون أما ما يجب أن يكون فهو الحوار ولكى ننتقل من حالة الصراع إلى الحوار من الممكن أن نتعلم من الصراعات السابقة ففى كل الأمثلة التى ساقها كاتب هذا المقال كان التيار الأصولى هو العامل الأساسى فى الصراع وفى أوروبا انتهى الصراع بين الكنيستين بعد تفوق الجانب البروتستانتي وانسحاب صولجان الحكم الدينى على الحياة العامة من يد الكنيسة الكاثوليكية فى زيها الأصولى المتشدد فبدأت تلتفت لنفسها لتصلح الذات لتحافظ على ما تبقى من جسدها المتهرئ فتخلت الكنيسة الكاثوليكية عن الأفكار الأصولية التى كانت ركنا أساسيا من أركان موروثها الثقافى الدينى ولو لم تفعل ذلك ما استطاعت الكنيسة الكاثوليكية البقاء حتى الآن لقد بقت الكنيسة الكاثوليكية بعد أن تخلت عن محاكم التفتيش وصكوك الغفران وعصمة بابا روما وتخلت عن تكفير الآخرين واعتبارهم هراطقة تستحل دماءهم وتخلت عن النظرة الشوفينية للتاريخ الكاثوليكى وللقديسين الكاثوليك وبدأت تتصالح مع التاريخ وتعترف بأخطاء الماضى من أمثال الجرائم التى ارتكبت فى حروب خاضتها باسم الدين وأسمتها حروبا صليبية

لماذا ترفض الحكومات العربية التخلص من الثقافة الأصولية ؟
ومن الملاحظ حتى الآن أن هناك حالة مقاومة شديدة من الحكومات العربية للتغيير وظهر ذلك فى رفضهم الشديد لمشروع الشرق الأوسط الكبير ولا يرى الباحث في هذا المشروع أى شئ يمس قيمنا الأخلاقية وكان مبرر الاعتراض على المشروع هو أنه يفقد( بضم الياء وكسر القاف ) المنطقة العربية هويتها الثقافية ويذيبها فى هويات أخرى (رغم أن الهويات تمتزج معا ولا تذوب) وهذا التفسير بقدر ما هو ماكر إلا أنه يمس جوهر المشكلة لأننا فى الواقع نمتلك هوية ثقافية فريدة لا توجد فى أى مكان فى العالم بهذا القدر وهى ثقافة التمييز والكراهية الأصولية بين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى ( تلك الكراهية الموجودة فى مجتمعنا تجاه الآخر نشأت بسبب ثقافة المجتمع أى أنها الفعل وليست رد الفعل لما يفعله الآخر كما تدعى أدبياتنا) ويركز المفكرون والكتاب الدائرون فى فلك السلطات الحاكمة عندنا على مفردات الخصوصية والهوية والثقافة ولا يذكرون المقصود من تلك الألفاظ مستخدمين فى ذلك أسلوب التورية فالخصوصية والهوية بالمعنى الظاهرى الذى يعرفه العامة هو الأخلاق والقيم الدينية والهوية القومية بينما المقصود بهذا المصطلح هو التقاليد والقيم التمييزية بين مجتمع ومجتمع آخر أو تمييز داخل المجتمع الواحد بين الرجل والمرأة بين أهل دين وأهل دين آخر بين مذهب ومذهب آخر وأخيرا بين فئة حاكمة تملك وتأمر وفئة محكومة مذلولة تأتمر وهذا هو فصل المقال فى تفسير أقوال من يرفضون الخروج عن طاعة الهوية الثقافية الأصيلة المباركة الميمونة الفريدة التى نتميز بها عن باقى الكون.

وإن أضفنا إلى ذلك أن هناك تزاوج بين السلطة الدينية الأصولية وبين الأنظمة المستبدة ( فالعامل الدينى يتداخل مع العامل السلطوى فى الاستبداد وإضافة القيود والمحظورات على حرية الفرد فكلا النظامين لا يمكن أن يستغنى أحدهما عن الآخر) فإننا فى النهاية سنكتشف سر إصرار الحكومات العربية على الاحتفاظ بتلك الهوية الثقافية الأصولية
فالزعماء العرب كانوا محقين لدفاعهم عن تلك الثقافة الأصولية لأنها الثقافة التى تساندهم وتثبت كراسيهم ليصبحوا حكاما إلى الأبد ولو انتهت تلك الثقافة انتهى معها هؤلاء الزعماء فالمشروع المذكور يعرض إنهاء هوية التمييز وإحلالها بهوية المساواة والتسامح وقبول الآخر فتعديل تلك الهوية لا يمس القيم الأخلاقية بل ثقافة التمييز ولكنها "الفذلكة" العربية المعهودة فى التحوير وخلط الأوراق بين الهوية الثقافية بمعنى الأخلاق وبين الهوية الثقافية بمعنى التقاليد والقيم المجتمعية

هل سيتقبل العالم الإسلامى التغيير؟ ومن أين نبدأ لينتهى الصراع؟
لذلك فإن إصلاح أى من النظامين ( الدينى أو السياسى ) سوف يؤدى بالتبعية إلى إصلاح النظام الآخر وإن كان من الملاحظ أن الإصلاح الدينى فى أوروبا سبق الإصلاح السياسى وسبق عصر النهضة كما أن تقليص سطوة رجال الدين وقصره على النواحى الروحية والاجتماعية أدى إلى التطور الديمقراطى فى كل من بريطانيا ثم فرنسا واليوم الكنيسة الكاثوليكية منفتحة على العالم وتعترف بالآخر وتتقبل الحوار وتربط بين الدين والعلم والفلسفة بعد أن كانت تحاكم العلماء من أمثال جاليليو

أما بالنسبة للعالم الإسلامى فالمستقبل ما زال غير محدد المعالم والسؤال المحير الذى يطرح نفسه هو ماذا بعد ؟ هل سيتعلم العالم الإسلامى الأصولى من أخطاء الكنيسة الكاثوليكية فى أوروبا؟ هل سيعمل جاهدا على تقصير يد حماة الأيديولوجيا الذين يبثون سموم الكراهية فى العامة عن طريق الإعلام ومنابر المساجد أم أنه لم يشبع ناظريه بعد مما وقع بالفعل من أنهار دماء ويتلهف إلى مزيد من حمامات الدم بينه وبين العالم ليفكر وقتها كيف يغير عباءته الأصولية ويتصالح مع العالم؟ هل سيستوعب العالم الإسلامى حجم الكارثة القادمة أم أنه مكتوب عليه أن ينتظر إلى يوم القيامة ليعرف ما هو الجحيم؟ !!! أما السؤال الأكثر حيرة فهو من أين نبدأ فى إصلاح الذات ؟ وإلى أى طبيب نلجأ؟ وما نوع تخصصه؟ وكيف يتعامل العالم معنا ؟ هل نحن فى حاجة إلى مثل الإدارة الأمريكية الحالية التى تجرأت وخاطرت وبدأت تفتح مغارات الأمة الإسلامية بالقوة لتنظفها من الخفافيش والثعابين والعقارب متحملة فى سبيل ذلك لدغاتها وسمومها؟ أم نحتاج إلى صناعة مفكر من نوع فولتير الذى كان الأب الروحى لثورة الشعب الفرنسى ضد ظلم الكنيسة والسلطة؟ أم أننا فى حاجة إلى رجل دين من نوع مارتن لوثر ليصحح مفاهيم الدين الذى لا يجب بأى حال من الأحوال أن يكون مصدرا للكراهية أو العنصرية؟ أم أننا سنصر على عنادنا ونفسح الطريق لحرب عالمية رابعة ندمر فيها الآخر ونعطى الفرصة لهذا الآخر لكى ينتقم ويدمرنا؟ أظن أن الكرة فى ملعب الأمة الإسلامية وأتمنى لو يحسنوا الاختيار



د.ماركوس ملطى عياد

الأحد، أكتوبر ٠٢، ٢٠٠٥

كنيستنا الأرثوذكسية الرسولية

كنيستنا الأرثوذكسية الرسولية
قرأت مقال الأستاذ كمال غبريال فى جريدة القاهرة وفى بعض المواقع الإلكترونية عن الكنيسة القبطية ورياح التغيير والأهم فى المقال هو رد القراء الذين يثبتون لى كل يوم أن المشكلة الشرقأوسطية هى مشكلة أصولية غير مقتصرة على الدين الإسلامى فقط فالقراء أجابوا على السيد غبريال بالتخوين والتشكيك فى مذهبه الدينى واستنكار ما قاله بدلا من الرد على أفكاره بأفكار أخرى وأنا إن كنت مختلفا معه فى بعض الجزئيات إلا أننى أتفق فى معظم ما طرحه فى مقاله وأريد أن أؤكد ما قاله لا لأننى من هواة المفرقعات الإعلامية ولكن لا مفر من كشف الجروح كوسيلة لمداواتها وليس التشهير فهذا المقال لا أقصد به أى إساءة لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية التى أعتز بانتمائى إليها

فى بيتنا استبداد وانفراد بالقرار
فى كنيستنا مسلمات وخطوط حمراء ممنوع الاقتراب منها أو تصويرها والمسلمات هى أهم أدوات المستبد فالمستبد الدينى والسياسى لهما نفس المنهج يخلطون بين الإله المعبود وبين المستبد المطاع فلا يحق لهم مراقبة المستبد أو مواجهته بأخطائه كما لا يحق لهم مساءلة الله عما يفعله والمستبد قد يبدو متواضعا كارها للمديح لا لأن طبيعته هكذا بل لأنه يريد أن يمدحه الناس بالتواضع ويحاول تثبيت أفكاره بنسبها إلى قواعد وثوابت لذلك فأنا لا أعادى أشخاصا ولا أعارض ثوابت ولكن أعارض ترفيع تلك الثوابت فوق مصفاة العقل وفى مواجهتى أريد من يقارعنى الفكر بالفكر والحجة بالحجة وليس بالتخوين أوالتكفير أو الاتهام بالهرطقة أو العصيان ألم تأمرنا الدسقولية أنه يجب محو الذنب بالتعليم فلنفتح معا الملفات الحساسة فى جو من المصارحة مستخدمين أدوات المنطق والإقناع الخالية من الرموز والشعارات والمسلمات والإجابات الفضفاضة فمشاكل الكنيسة ليست وليدة اليوم بل هى مشاكل متعمقة فى جذور التاريخ ومنها جزء كبير متعلق بالتقاليد فى المجتمع الشرقى ورغم أن كنيستنا تعيش فترات ازدهار افتقرنا لها فى الماضى وهذه نقطة تحسب لقيادات الكنيسة الحالية إلا أن ذلك ليس كفيلا لكى نطرح جانبا الملفات المسكوت عنها داخل كنيستنا القبطية وبناء على مبدأ أن أهل مكة أدرى بشعابها فإن تلك الأمور تم طرحها فى الداخل ولم أجد إلا التبرم وما يسمى بالغضب "المقدس" والاتهام بالعصيان والتسبب فى العثرات والوقوع فى فخ الإدانة فلم يكن من مفر سوى نقل المشكلة إلى الخارج مع ما يحمله ذلك من اتهامات جديدة بالخيانة والعمالة والتآمر على الكنيسة المجيدة مع عدو الخير الذى يكره السلام الموجود داخلها لأنها كنيسة مقدسة رسولية أصيلة فى كل شئ أما واقع الحال فى كنيستنا أن " الكبير فيها كبير والنص فيها نص وكلنا نعرف مين الكبير ومين النص داخل كنيستنا" فلن يكون الشخص فيها محترما ما لم يكن شجاعا جريئا والإنسان العادى فيها منبوذ ما لم يكن غنيا أوكريما وإن اعترض أحد مثلى ومثل الأستاذ غبريال على ذلك النظام فإننا نجد مقاومة يقودها جيش من العقول المتحجرة المصبوبة فى قالب واحد بعد أن عبرت عليها ماسحات مفخخة وزرعت فيها قنابل الخوف من المجهول والخروج عن طاعة ولى الأمر ومن ثم التسليم والاستسلام لأنها عقول لم تعرف أن الكنيسة هى الشعب وأن رجال الدين الذين نسترجى رضاهم وعطفهم أحيانا ونستجدى بركاتهم باستمرار بل ومنا من يلعق أحذيتهم هم أساسا خدام الشعب لا أسيادهم لم تتعلم تلك العقول أن الشعب هو عصب الكنيسة وهو صاحب القرار فيها ولم تعرف أن كلمة كنيسة فى الأصل اليونانى قبل أن تستخدم فى المسيحية كانت تشير إلى أى جماعة لها حكم ديمقراطى فأنا لا أطالب ببدعة من بدع نهاية الزمان بل أطالب الكنيسة أن تكون أكثر أرثوذكسة وأكثر رسولية مثلما كانت الكنيسة الأولى التى عندما عقدت المجمع الكنسى الأول شارك الشعب فى اتخاذ قراراته "أع 23:15" أطالب كنيستنا أن توزع السلطات لتعطى دورا أكبر لغير رجال الدين كما فعلت الكنيسة الأولى عندما تمسك الآباء الرسل بالصلاة وخدمة الكلمة تاركين الأمور المادية والإدارية للشمامسة الذين تم انتخابهم من الشعب بطريقة ديمقراطية "أع 2:6-6" أطالب الشعب أن يمارس حقوقه بدلا من السلبية وحالة الخوف من الاقتراب من مشاكل الكنيسة أو قرارات رجال الدين الذين أوهمونا أنهم كالفحم المشتعل يحرق من يقترب منه لأنه فحم مؤيد من الروح القدس ومن يتشكك فى ذلك فليذهب إلى الجحيم
*وهناك محاولات كثيرة للإصلاح فى الماضى ولكنها باءت بالفشل ومنها محاولة تأسيس المجلس الملى فى أيام البابا كيرلس الخامس للإشراف على ممتلكات الكنيسة ولكن البابا "الفرعون" رفض من يشاركه الإدارة وانحاز له المتزلفون وأصحاب الأفكار الغيبية والطاعة العمياء وطالبوا بالخضوع لمطالب البابا تنفيذا لقوانين الكنيسة (القوانين التى تم تفصيلها على حسب رغباتهم) واتهموا بطرس باشا غالى ومناصريه بالعصيان والهرطقة والخيانة لأنهم يطالبون بنظام أشبه بما هو قائم فى الكنائس البروتستانتية التابعة للاحتلال الإنجليزى . وإن كان حقا إسناد الإدارة المالية لهيئة أخرى من خارج رجال الدين تعتبر هرطقة فإن الذى ابتدع تلك الهرطقة ليس بطرس باشاغالى بل الآباء الرسل الذين رفضوا ترك خدمة الكلمة فى سبيل خدمة موائد (حسب تعبيرهم) وأسندوا تلك الخدمة إلى الشمامسة الذين تم انتخابهم من الشعب بطريقة ديمقراطية كما ذكرت آنفا وإصرار البابا على ديكتاتوريته وإشرافه الكامل على أمور الكنيسة تطور ووصل إلى ذروته أيام البابا يوساب الثانى وأدى إلى انقسامات خطيرة داخل الكنيسة بسبب سوء استخدام البابا لتلك السلطات

أين الشفافية فى الكنيسة؟
* أنا لا أشكك فى ذمة أحد ولكن ما أعرفه جيدا أن السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة "والمال السايب بيعلم السرقة" ورجل الدين رغم أنه يرتدى الملبس الأسود إلا أنه مازال يرتدى تحته جسدا يثبت أنه غير معصوم من الخطأ وهناك احتمال وارد من أنه قد يسئ استخدام أموال الفقراء المستأمن عليها فلما لا يكون فى كنيستنا شفافية ؟ ولما لا يقدم رجل الدين إقرار ذمة مالية كى يقطع ألسنة النمامين ؟ "هو صحيح على راسه عمة بس ما فيش على راسه ريشة"
* أنا لا أقلل من شأن الكهنة بل وإحقاقا للحق فإن الكثيرين منهم يتفانون فى خدمتهم ولكن النظام الحالى الذى يعطى صلاحيات واسعة لرجل الدين مع غياب آليات المراقبة والشفافية يعتبر بيئة حاضنة للفساد وتفرز رجال دين غير جديرين بتلك الوظيفة وتلك السلطات تتيح لهم المتاجرة باللبس الأسود وبالنصوص المقدسة وأصبح من المعتاد فى كل أبروشية "منطقة" أن نسمع عن كاهن أو أكثر مشهور بالتلاعب بأموال الفقراء دون وجود من يردعه أو يحاسبه أو حتى يرد له كرامته إن كان مفترى عليه والشئ المضحك المبكى أن من هؤلاء الكهنة من يهمل شعبه ويهرب الناس من الكنيسة بسبب إساءاته المتكررة وتسلطه ثم نراه يذرف الدموع على رجل أراد أن يغير دينه "قمة النفاق والسطحية
لماذا تصر الكنيسة على أننا أيتام لم نصل بعد لسن الرشد؟
* أنا لا يعنينى كثيرا ما أقدم عليه قداسة البابا من مبايعة لمبارك باسم المجمع المقدس طالما أنه لم يستخدم فى ذلك سلطان الحل والربط وربما تثبت الأيام أنه كان محقا فى وجهة نظره التى أعتقد أنها ارتبطت بتخوفه من تحول النظام الديمقراطى إلى فوضى يدفع الأقباط ثمنها والتاريخ المصرى شاهد على أن التحول من نظام لنظام كان مرتبطا بالفوضى والتجاوزات التى دفع ثمنها الأقليات فرغم أن الكنيسة لا ينبغى أن تربط نفسها بالسياسة إلا أن الضرورات تبيح المحظورات ولكن مع كامل تقديرى واحترامى لقداسة البابا والمسئولية الجسيمة الملقاة على عاتقه والظروف التى فرضت عليه أن يكون المتحدث السياسى باسم الأقباط إلا أن الخطأ الذى لا يغتفر للكنيسة هو إهمالها فى التوعية السياسية للشعب فزمن الوصاية قد انتهى منذ دهر مضى ومع ذلك لم يندمج الأقباط فى السياسة وكان يجب علي البابا توعية الشعب لكى ينخرطوا فى الحياة الحزبية ومؤسسات المجتمع المدنى فسلبية الأقباط ليست نتيجة الظروف السياسية بل وأيضا نابعة عن الثقافة المتراكمة فى العقل الجمعى الذى تم تفكيكه وتركيبه على أساس الانسحاب من الحياة العامة والانطواء وتكوين الجيتوهات المعنوية فى نفوس الأقباط نتيجة ضخ حالة من الشعور بالغربة والشعور بالاضطهاد والاستسلام للأمر الواقع والكتب والشرائط والترانيم والتعاليم الكنسية مليئة بمثل تلك الثقافة "حيث قادنى أسير ..تنتهى غربتى فى عالم الدموع .. التقليد.. التسليم ..أى شركة للنور مع الظلمة... اعتزلوا اخرجوا منها يا شعبى ..حبيبتى عين مقفلة وينبوع مختوم .. ليس لنا ههنا مدينة باقية .. إن كانوا قد اضطهدونى فسيضطهدونكم"
رغم أن كنيستنا ليست كنيسة انعزال ولا كنيسة طاعة عمياء ولاكنيسة شعارات ولا مسلمات بل هى روح وحياة وتجديد فى الفكر هى كنيسة بحث وتدقيق وتفتيش فى الكتب واندماج فى المجتمع وحوار واتخاذ القرارات بناء على اقتناع وليس لمجرد الطاعة أو الوصاية من أحد فالله نفسه يلجأ إلى الحوار والتفاهم "مع إبراهيم تك18" وأحيانا يتنازل عن رأيه "مع موسى عد14" ومع شعبه يقول "هلما نتحاجج يقول الرب"إش18:1" فكيف يأتى البشر ليطالبونا بطاعتهم باسم الله؟ كثير من رجال الدين يطالبوننا أن نكون كجثة يحملها تيارهم كيفما يشاء ويعتبرون ذلك وصية كتابية وحياة تسليم "مثل قصة شجرة الطاعة التى ذكرها الأستاذ غبريال"
وما نعرفه جميعا أن الهراطقة كانوا بطاركة وقساوسة وكانوا يسيطرون على أتباعهم باسم الطاعة وليس الإقناع ولو لجأوا للإقناع ما وجدوا لهم تابعين
ومن ذهب منا ليشارك فى الانتخابات الأخيرة ذهب أملا فى أن يحصل على بركات الطاعة التى يهبها رجل الدين لمن يشاء لأنه يتحكم فى الكنيسة كما يتحكم أحد الملاك فى أملاكه (حتى فى توزيع البركات واللعنات) بعد أن كان الشعب هو الذى يدير الكنيسة وهو الذى كان يختار رجل الدين وهو الذى يحاسبه إن أخطأ ويحكم عليه بالأغلبية "2كو6:2" منذ ألفى عام مضت
فالكنيسة هى الشعب وليس رجل الدين وأينما وجد رجل الدين فلكى يخدم الشعب لا ليتحكم ويتسلط وينهب أموال الشعب ولا ليؤدى طقوسا وفرائض جامدة يحمل فيها المبخرة لنفسه ويتظاهر أنها للإله المعبود أنا لا أهاجم الكهنوت بل أهاجم النظام الكهنوتى بتركيبته الحالية وأطالب بالشفافية والعدالة وإعطاء سلطات أكثر للشعب
وغير خاف على أحد أن الكنيسة استقت الكثير من مبادئ المجتمع الشرقى الأبوى الهرمى بطبيعته الذى يعتبر أن الوطن هو السلطة لا هو الشعب ولا هو الأرض والويل كل الويل لمن ينتقد السلطة لأن من يفعل ذلك كأنه اغتال الوطن جميعه أما من ينتقد كنيستنا الرسولية المتمثلة فى رجل الدين فالويل كل الويل له لأنه أصبح مثلث اللعنات وصار مصدرا للعثرات
مجتمعنا الكنسى مثل المجتمع العام من مكوناته الأساسية الخوف من رب الكون ورب الأسرة والمدير والرئيس الذين تجتمع في أيديهم السلطات ومن يعترض يتهم بالعصيان والخروج عن القوانين وكأننا مجرد أيتام لم نصل لسن الرشد ولا يحق لنا أن نسأل أو ننتقد فإن انتقدت وضعا معينا فى الكنيسة تجد من يقول "لا تدينوا.........."أو "اهتم أولا بخلاص نفسك ...." وكأننا مجرد ضيوف فى الكنيسة لا ينبغى أن نتدخل فيها وأكرر مرة أخرى أن كلمة كنيسة تعنى مجتمع ديمقراطى الشعب يختار الشمامسة والقساوسة "أع3:6" والشعب يحاسبهم بصورة ديمقراطية "2كو6:2"

الخرافات فى بعض الكتب الدينية
*كما ذكر السيد غبريال مشكلة كسوف الشمس الموجودة فى السنكسار كمثال لبعض الخرافات فى كتبنا الكنسية إلا أن المشكلة فى السنكسار وغيره من الكتب ليست فقط فى الخرافات بل وأيضا المبالغات فى تعظيم وتمجيد القديسين بصورة غير موضوعية (سأذكر ذلك لاحقا) بل معظم الكتب التى تملأ مكتباتنا بها ما لا طائل لنا به من مبالغات وأحيانا خرافات وكمثال على ذلك كتاب بستان الرهبان وهو ملئ بالقصص غير الواقعية مثل ذلك الراهب الذى سافر إلى الفضاء على سفينة سحاب لمدة ثلاثة شهور لعله كان فى رحلة استكشافية للمجموعة الشمسية ولكنه لتواضعه أخفى ما اكتشفه أو ذلك الراهب الذى وجد سلم يعقوب فوصل إلى السماء فى رحلة قصيرة حضر خلالها قداسا وعاد بسلام إلى الأرض ومعه تفاحتان ذهبيتان. " شاهدت قصصا مشابهة لذلك فى سلسلة مغامرات أليس فى بلاد العجائب "
ذلك الكتاب يركز على جهاد القديسين رغم أن بولس الرسول يقول تمثلوا بإيمانهم وليس جهادهم فالجهاد يختلف أسلوبه من إنسان لآخر والسلوك الذى قد يكون مناسبا لهم قد لا يكون مناسبا لنا على الإطلاق
كما أنه يذكر آراء متطرفة مثل الرهبان الذين ثاروا ثورة عارمة لأنهم وجدوا سفينة حطت على الشاطئ القريب منهم ووجدوا داخل السفينة إمرأة ولم يهدأوا إلا بعد أن غادرت السفينة بمن عليها أو ذلك الطفل الصغير الذى نزل إلى السوق مع أحد الرهبان فوجد مخلوقا غريبا لم يجد مثله فى الدير فسأل الراهب عنه فقال له " هذا هو الشيطان" بدلا من أن يقول أنها إمرأة
هذا الكتاب يوحى لنا أن التوبة هى جلد للذات رغم أن كلمة التوبة المذكورة فى الإنجيل لها معانى أخرى غير جلد أو تعذيب الذات
أما حان الوقت لننقى تراثنا من مثل تلك الخرافات فهذا ليس بستان الرهبان بل يمكن أن نسميه أفغانستان الرهبان أو مغامرات تان تان فى بلاد الرهبان أو نسميه بستان العجائب ولا يوجد أى معنى لطبع ونشر مثل هذا الكتاب بصورته الحالية إلا لو كانت الكنيسة تؤمن بالخرافات كما أننى قرأت كتابا لأحد المفكرين المسلمين يستشهد ببعض مما جاء فى هذا الكتاب ليثبت أن المسيحية لا تحترم المرأة بالمقارنة بالإسلام
تغييب دور العقل
كثيرون من آباء الكنيسة يتجاهلون دور العقل وينقلوننا إلى عالم من الغيبيات وهذه النقطة كانت محل انتقاد كثير من المؤرخين للأقباط فالأساس فى المسيحية هو العقل أما الغيبيات فقد تكون أوهاما.
المسيح هو العقل ويقول بولس الرسول "ننمو إلى قياس قامة ملء المسيح"أف13:4"
كلمة توبة باليونانية هى "ميتانيو" أى نمو بالعقل أو اتساع مدارك العقل وليس ما لا يفهمه العقل.
كلمة ضمير المستخدمة فى العهد القديم تعنى العقل فالعقل هو الذى يحكم بين الخير والشر يقول الكتاب "ياأولادى أريد أن تكونوا أولادا فى الشر وليس فى أذهانكم أما فى أذهانكم فكونوا كاملين" فالعقل لا يتعارض مع البساطة بل ما يسميه البعض بساطة لا يكون سوى سذاجة لا يعترف بها الكتاب المقدس ويقول أيضا " ليس أطفالا مضطربين محمولين بكل ريح تعليم" " أف4: 14"
وإن كان المسيح هو العقل فالخطية هى تغييب دور العقل أو هى اللاوعى "لو34:23"

التركيز على الرؤى والمعجزات على حساب الواقع
*أنا لا أتشكك فى كم المعجزات التى حدثت بشفاعة رجل مثل البابا كيرلس السادس فالذى يصنع المعجزات هو الله بواسطة أو بشفاعة القديسين والسيد المسيح نفسه أكد أن من يؤمن به يفعل مثل تلك المعجزات بل وأعظم منها ولكن الاهتمام الأكبر ينبغى أن يكون فى التوبة وعمل الخير والنمو فى المحبة ويوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء لم يصنع فى حياته آية واحدة
*المسيح نفسه نصح التلاميذ ألا يفرحوا بالمعجزات وإخراج الشياطين "لو20:10"
*قلل بولس الرسول من شأن المعجزات والنبوات أمام فضيلة المحبة "1كو13"
*سئل الأنبا باخوميوس أن يحدثهم عن الرؤى فأجاب " من يبحث عن الرؤى والظهورات هو إنسان غبى لا يعرف خلاصه أما إذا أردت أن تبحث عن منظر فانظر إلى انسان متواضع ففى هذا الإنسان المنظور سوف تجد صورة الله غير المنظور"
ورغم ذلك نجد داخل الكنيسة اهتمام بتلك الغيبيات على حساب دور العقل ويستغل البعض الغيبيات ليلهى الشعب عن واقع الحياة فى سبيل الآخرة رغم أن الآخرة فى المفهوم المسيحى هى امتداد للحياة كما أن حب الحياة هو سند للاستعداد للآخرة والأقباط بطبيعتهم مولعون بالمعجزات والرؤى والغيبيات على حساب الاهتمام بالواقع ومنذ وقت غير بعيد قام أحد الأساقفة بتأليف كتيب ادعى فيه أن نهاية العالم فى ربيع 2001 والغريب أن بعض الكهنة كانوا يروجون لأفكاره ( فلنرى حجم تصديقنا لتلك الغيبيات دون وجود مساحة من التفكير العقلانى أو البحث العلمى)

والمبالغة فى تعظيم القديسين
*إذا قرأت قصة حياة قديس سوف يهيأ لك أنك أمام ملاك لا يخطئ ويظن القارئ أو السامع أن هناك هوة عميقة تفصله عن القداسة فالمبالغة فى القداسة وإغفال نقاط الضعف فى هؤلاء القديسين وطمس السلبيات الموجودة فى تاريخهم هى سمة فى كنيستنا رغم أن الإنجيل قدم لنا صورة متكاملة عن حياة القديسين سواء عن فضائلهم أو ضعفاتهم وسأستدل على بعض الأمثلة سأقدمها فى صورة أسئلة لأتجنب الأخطاء التاريخية
ما سر الخلاف بين البابا ديمتريوس 12 والعلامة أوريجانوس ؟ لماذا قام بحرمه دون أن يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه؟ لماذا اختلف البطاركة المتعاقبون على تلك الشخصية ؟ بعضهم حله من حرمه والبعض الآخر أعاد حرمه بعضهم اعترف بكتبه والبعض الآخر صادرها بدعوى أنها تخالف العقيدة أيهما سيتم الأخذ برأيه فى الأبدية؟ ألا تذكرنا الكنيسة باستمرار بأن ما يحله رجل الدين يكون محلولا فى السماء وما يربطه يكون مربوطا فى السماء ألا تحاول الكنيسة إيهامنا أن ما يقوله أو يفعله رجل الدين هو بإرشاد من روح الله؟
ما علاقة الملك قسطنطين بالكنيسة؟ لماذا عقد مجمع نيقية ؟ هل حبا فى استقامة الإيمان أم حرصا على استتباب الأمن فى مملكته الممتدة؟ لماذا ساءت علاقته بالبابا أثناسيوس ولماذا نفاه؟ لماذا تأخر فى نوال المعمودية حتى أصبح على فراش الموت؟ ذلك الرجل الذى يصفونه بالبار والصالح واضح أنه لم يتقرب قط من أسرار الكنيسة ولا أعلم هل تزوج مدنيا أم كنسيا رغم أنه لم ينل سر المعمودية إلا فى الهزيع الأخير من عمره؟
تقول قصة" أشك فى صحتها" أنه ظهر للأنبا بيشوى وامتدح الرهبان لأن مكانتهم كبيرة عند الله أكثر من المتزوجين لذلك هو نادم لأنه لم يترهبن
هل المجامع المقدسة وقراراتها ضد من تسميهم هراطقة هو قرار صادر من الروح القدس الحال فيهم أم أنه قرار بشرى صادر من ناس ترتدى زى رجال دين ؟ وهل نفى رجال الدين لهؤلاء الهراطقة هو قرار صادر من الروح القدس أم أنه قرار سياسى؟ وماذا عما حدث فى مجمع أفسس وصراع الأساقفة على ترتيب الكنائس هل كان هذا بتدبير من الروح القدس؟ وماذا عن المجامع التى برأت بعض الهراطقة الذين ادعوا توبتهم ثم ثبت بعد ذلك خداعهم ومراوغتهم ؟ هل كانت قرارات تلك المجامع بإرشاد من الروح القدس ؟ وماذا عن المجامع اللاحقة التى انقسمت فيها الكنيسة وكل جانب كان يحرم الجانب الآخر بسلطان الروح القدس؟ وهذه هى الوسيلة التى يستخدمها رجل الدين حتى الآن ليضفى على ديكتاتوريته الشرعية فيوهم الناس أن قراره هو بإرشاد من الروح القدس (ياعينى على الروح القدس حيرتونا وحيرتوه معاكم)
ما سر الخلاف بين البابا ثيؤفيلوس23 ورهبان شيهيت لماذا ثاروا عليه يريدون قتله؟لماذا اختلف مع من يسمون بالإخوة الطوال؟ ما سر الخلاف مع الأنبا يوحنا ذهبى الفم أسقف القسطنطينية؟ لماذا قام الأول بعقد مجمع ونفى الأخير ظلما بمباركة الملكة أفدوكسيا التى ساءت علاقتها بالبابا يوحنا بعد أن اغتصبت حقل أرملة فقيرة؟
لماذا هيج البابا كيرلس24 الملقب بعمود الدين المسيحيين ضد الوالى والفلاسفة الوثنيين حتى حرقوا معهد الموسيون ولم يكتفوا بذلك بل قبضوا على الفيلسوفة الوثنية "هيباتيا" قتلوها وسحلوها فى الشوارع بصورة مشينة للأقباط؟لماذا هاج بعض الرهبان على أبيهم الروحى الأنبا باخوميوس أب الشركة ونادوا بقتله قبل أن ينجو من أيديهم بأعجوبة؟
هل يوجد فى ديننا ما يدعونا لقتل المخالفين لآرائنا؟فى عام 457 ميلادية فى القرن الخامس الميلادى بعد عصر الشهداء والرهبنة وأوج انتشار المسيحية ووقوف المسيحيين صامدين أمام أصحاب المذاهب الأخرى استغل الأقباط غياب حاكم الإسكندرية وانقضوا على بروتوريوس البطريرك الخلقيدونى الدخيل قتلوه وسحلوه فى الشوارع وأحرقوا جثته وذروا رمادها امعانا فى التشفى والانتقام (هذه القصة موجودة فى السنكسار بتاريخ 23 مسرى بصورة مختلفة وأنا شخصيا لا أثق فيما هو مدون فى السنكسار)
لقد ذكر كتاب تاريخ الكنيسة الكثير عن قداسة وورع الأنبا باسيليوس مطران القدس فى أواخر القرن التاسع عشر ولكنه لم يذكر شيئا عن علاقته بالبابا كيرلس الخامس فلماذا اعترض الأنبا باسيليوس على سيامة القس يوحنا الناسخ بطريركا؟ وعندما ذهب مجبرا لسيامته قال له " يعنى ما لقيوش غيرك أنت ياحنكوش؟" ولم يسامحه البابا الجديد على تلك الكلمة وأوقفه عن الخدمة لمدة 6 شهور
اتهم البعض البابا كيرلس الخامس112 بأنه ديكتاتور لا يريد أن يشاركه أحد فى أخذ القرار لذلك رفض فكرة المجلس الملى
ذلك الرجل الذى تصفه كتبنا بالشفافية والقداسة لم يكن يحب من يوجه إليه نقدا لذلك لم يجد وسيلة ليتخلص من القس سرجيوس ملطى سوى أن سامه كاهنا ثم لفق له تهمة وحرمه ولم يعف عنه إلا بعد أن أخذ منه وعدا ألا يقف على منبر ويعظ لكى يضمن ألا ينتقده؟وهل تلفيق التهم هو بإرشاد من الروح القدس؟
لماذا ترك للأنبا يؤانس شئون الكنيسة فى آخر أيامه؟ وذلك الأخير قام بتجريد أحد الأساقفة (أعتقد أنه رئيس دير السريان) من رتبته لمجرد أنه قام بسيامة بعض الرهبان كهنة فى الدير
لماذا سعى الأنبا يؤانس والأنبا مكاريوس والأنبا يوساب للبطريركية رغم أنهم كانوا أساقفة على كراسى؟
لماذا لجأ البابا يوساب للسيمونية "سيامة رجال دين فى مقابل قدر من المال" ؟ إن كان السبب فى ذلك هو سكرتيره الخاص الذى يدعى" ملك" وباقى حاشية البابا هل هذا يعفيه من المسئولية؟ تلك الفترة كانت وبالا على الكنيسة القبطية وكثيرون تركوا المذهب الأرثوذكسى بسبب الانقسامات فى الكنيسة
أنا أكتب ما تذكرته مما قرأت فى الماضى ومؤكد أن التاريخ يحوى ما يسع مكتبة عن ضعفات وعيوب هؤلاء القديسين الذين نتغنى بفضائلهم ونصورهم للناس أنهم وإن كانوا بشرا إلا أنهم مصنوعون من طينة ذهبية ليست من نفس طينتنا معتقدين أن المبالغة فى مدحهم سوف تقودنا إلى المثالية ولا ندرى أن المثالية الزائدة سوف تقودنا إلى طريقين لا ثالث لهما إما "الدروشة" والتطرف أو اليأس من الطريق الروحى لأننا لا نستطيع أن نكون مثلهم وماذا نتوقع من طفل نقول له أن القديس (......) كان يأكل قطعة خبز كل يومين ويشرب رشفة ماء كل أسبوع إما سيلجأ للتقليد الأعمى أو سيبعد عن الكنيسة رغم أن الإنجيل ينصحنا أن نتمثل بإيمانهم لا أعمالهم
لماذا لا ندرس تاريخ القديسين كاملا ونعطى فكرة عن ضعفاتهم وفضائلهم كما نرى فى الكتاب المقدس وأذكر على سبيل المثال قصة داود الذى كان شجاعا ودافع عن قطيعه ضد دب وأسد ووقف بشجاعة أمام جليات ولكنه ضعف أمام شاول وهرب وكذب على أخيمالك الكاهن ولم يخبره أنه هارب وهرب إلى ملك جت وخاف منه وتظاهر بالجنون ويأس وقال "إنى سأهلك يوما ما بيد شاول" ورجع ثانية إلى الفلسطينيين وتعامل معهم بالمكر والدهاء هو داود الذى كان متسامحا جدا مع شاول ورفض أن يقتله أكثر من مرة ولكنه ثار وغضب على نابال وأراد أن ينتقم لنفسه لولا حكمة أبيجايل زوجته هو الذى يلهج فى ناموس الرب ليلا ونهارا وهو الذى تكاسل عن القيام بقيادة الجيش واشتهى وزنا وقتل ولم يذكر الأنجيل عن أحد غيره أن قلبه مثل قلب الله
فلماذا لا نتمثل بالكتاب المقدس ونعترف أنهم بشر قد يصيبوا وقد يخطئوا لماذا نصورهم وكأنه من طينة ذهبية ليست من نفس الطينة التى نتكون نحن منها
أليس هذا هو تاريخنا الذى نتغنى به؟ لما نتجاهل تاريخنا الذى يعبر عن هويتنا وشخصيتنا؟ بل هو تاريخنا الذى يتكرر معنا فى حياتنا اليومية فلابد أن نتصارح معه

الخلاصة
وأخيرا إن كنا نريد حقوقنا فى الخارج فلابد أن نبدأ بإصلاح الداخل وأنا لا أنكر الإيجابيات الموجودة فى كنيستنا ولا الإنجازات التى حدثت فى ظل القيادات الحالية للكنيسة ولا أعترض على أشخاص داخل الكنيسة ووجه اعتراضى لا يمس طقوسا أو أسرارا كنسية ولكننا وكما أوصانا الكتاب المقدس لا بد لنا باستمرار أن نتخلص من الثعالب الصغيرة المفسدة للكرمة تلك الكرمة التى غرسها المسيح بيمينه ورواها آباؤنا وأجدادنا بدمائهم وحياتهم وما يهمنى هو الشفافية الكاملة وهذا سوف يصون للكهنوت كرامته وقدسيته وسوف يقطع ألسنة النمامين كما أطالب بتفعيل دور الشعب فى قرارات الكنيسة لأنهم هم الكنيسة والسيد المسيح جاء ليلغى وصاية الناموس لا لنكون تحت وصاية رجل الدين كما يقول الكتاب "الروحى يحكم فى كل شئ ولا يحكم(بضم الياء وفتح الكاف) فيه من أحد" "1كو15:2"وأخيرا يجب تجديد الفكر والانفتاح على العالم والمشاركة الفعالة والخروج من شرنقة التزمت والجمود والانخراط فى الغيبيات وعلى الكنيسة الآن تنقية التراث والكتب من الخرافات والمبالغات الغيبية وتأليه القديسين ومن ثم الاعتماد فى الأول والآخر على العقل فالمسيح هو عقل الله والمسيحية هى نمو فى العقل وليست معجزات أوظهورات أونبؤات التى أحيانا ما تكون مجرد أوهاما
د.ماركوس ملطى عياد